إحباط وتشاؤم ونقد للرئيس اليمني علي عبدالله صالح لأنه عدل عن قراره وعاد للترشح لرئاسة الجمهورية، وكأن الرئيس اليمني يحمل على عاتقه تغيير الواقع العربي، او كأن كل الآخرين يتداولون السلطة باستثناء اليمن!
ولعل ما يسجل للرئيس صالح انه فكر جدياً بالتنحي، وأظنه صادقاً في هذا. أما نحن الذين نبحث عن ديمقراطية وتداول للسلطة، فعلينا ان لا نلوم رؤساء الجمهوريات وقادة الانقلابات الذين يتمتعون بالامتيازات والأموال والسلطة والنفوذ، فمن هم اقل من هؤلاء بكثير لا يتنازلون عن مواقعهم. ولا تذهبوا بعيداً، ولنتجول مثلاً في الاردن. فهناك قادة أحزاب (ديمقراطية)، وتدعو للحرية وحق الشعوب في اختيار ممثليها وغيرها من الشعارات، لكن الأمين العام يبقى اميناً على الموقع عشرات السنين، ولا يغادره الا الى الدار الآخرة، وهؤلاء أعدادهم كبيرة. وحتى من تولوا مواقعهم منذ سنوات قليلة، هل يفكر أحدهم في ترك موقعه لآخر من باب تداول السلطة؟ فمن هذه القيادات من يمارس كل انواع الكولسات والتحالفات المشروعة وغير المشروعة ليحافظ على موقعه، والراتب الذي يتقاضاه من الحزب بسبب التفرغ. وبعضها لا يخرج الا اذ تم التآمر عليه وابعاده من موقعه، وقد تتاح له فرصة ليعلن اعتذاره عن الموقع -وهو اعتذار شكلي سببه الابعاد- وقد لا تتاح له. وبعض آخر يصيبه المرض الذي لا يمكنه من اداء واجباته، لكنه لا يفكر بالاعتذار!
أيضا، هناك بعض الجمعيات الخيرية التي تتولاها قيادات تاريخية منذ عشرات السنين وبما يتجاوز حكم كثير من الرؤساء العرب، ولا يفكر احدها بترك الجمعية التي تؤمن له مكتباً وهاتفاً يتصل به مع معارفه، وربما فوائد اخرى.
لا تلوموا الرئيس اليمني لأنه عاد للترشح، فكم مرة سمعتم عن قائد لفصيل فلسطيني ترك موقعه الا بسبب الموت؟ وهل قرأ العرب عن قائد لفصيل فلسطيني من اقصى اليمين الى أقصى اليسار قرر التنحي واعطاء فرصة لقيادات اخرى لقناعته بأنه قدم ما عليه، وان هناك من هو قادر على اكمال المشوار، ربما باستثناء جورج حبش؟ وهل سمعتم عن قائد انقلاب عربي سلم الامر لشعبه بعدما أزاح ما يسميه "الطغمة الحاكمة"؟ لم يسجل التاريخ العربي هذا الا لسوار الذهب، الرجل الذي ترك السلطة في السودان، لكن الاخرين يقومون بانقلاب لا نعلم اي سفارة تدعمه، ثم يتحول العسكر الى قادة ديمقراطيين رؤساء للجمهورية، ويبقون عقوداً. ولا يكتفون بهذا، بل يتركون لأولادهم الحكم، حتى لو احتاج الامر إلى تعديل الدستور.
لا تلوموا الرئيس لأنه عاد بعد ان حقق لبلاده الوحدة، لكن آخرين جلبوا لأمتهم الهزيمة والعار في العام 1967 ثم قامت أجهزة مخابرات بتنظيم تظاهرات تطالب بعودتهم بعد استقالة شكلية، وآخرين قالوا ان هدف العدو كان إزاحة الانظمة التقدمية فذهبت الارض وبقيت الانظمة، وعلى الجماهير ان تفرح بالنصر!
لا تلوموا علي عبدالله صالح لأن قادة أحزاب صغيرة يتركون أحزابهم فقط عندما يتم عزلهم من مواقعهم، وقد يقودون انشقاقات، مع ان كل الجسم الاصلي للحزب لا يقسم على 5، ولا يصلح لاي انشقاق! بل ان بعض من يملك "بسطة" في السوق لا يتنازل عنها لأنها مصدر رزقه، فكيف يتنازل من يملكون كل شيء؟
ربما تقبل الشعوب العربية من رؤساء جمهورياتها ان يبقوا الى الأبد، وان يكون ملك الموت ينفذ قدر الله فتتغير صور الحاكم في الشوارع، لكن هل يعلن هؤلاء القادة ضماناً لشعوبهم ان "لا يركبوا" ابناءهم على رؤوس وقلوب الناس في الجمهوريات التقدمية او الرجعية؟ فمن كان ابنه تاجراً فاليبق كذلك، ومن كان ضابطاً فليستمر في عمله، ومن اختار الطب فليحترف ذلك، لا أن يتعلم السياسة في شعوب انهكتها الهزائم والقمع والسجون.
وفي أجواء كأس العالم، فإن المدرب الذي لا يحقق لفريقه الانجاز يستقيل ان لم يتم انهاء عقده، فلماذا لا تكون الشعوب مثل الفرق الرياضية يستقيل من لا يحقق لها شيئاً او يجلب لها الهزائم؟ وهل من المعقول ان هزيمة العام 1967 أهون على بعض الشعوب من استقالة قادتها الثوريين؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة