ونحن على ابواب عقد ملتقى "كلنا الاردن"، تقفز الى الذاكرة تجارب عديدة صنعت قناعات لدى الناس والاوساط السياسية. ويفترض لضمان نجاح فكرة الملتقى، ان تمتلك ادارته القناعة بأن الاولوية في تسويق الفكرة قبل الوصول الى المضمون والتوصيات والقرارات.
مخزون الذاكرة الاردنية متخم بكميات من الاوراق والوثائق والتوصيات والخلوات والمجالس، ابتداء من الميثاق الوطني وحتى خلوات العقبة ولجان الاردن اولا ولجنة الاجندة ولجنة الاقاليم وغيرها من النماذج الصغيرة، وكل هذه الكميات الكبيرة والتجارية من الاوراق والتوصيات لم تجد نسبة كبيرة منها الطريق الى التطبيق. وآخر التجارب كانت لجنة الاجندة التي دخلت توصياتها ادراج الحكومة، وكذلك توصيات لجنة الاقاليم.
وحرصا على نجاح الملتقى، فإن امامه عقبة كبيرة، ليست في ادارة جلساته او اختيار الموضوعات والتوصيات والمحاور، بل في اقناع الرأي العام ان هناك جديدا يحمله هذا الملتقى. فإذا تحدثنا في الموضوع الاقتصادي، مثلا، سيبرز سؤال هام: ما الجديد الذي سيأتي به الملتقى اضافة الى الاجندة التي تضمنت مئات الاوراق في الموضوع الاقتصادي؟ ومع كل محور سيكون ذات السؤال، وصولا إلى السؤال الكبير: هل نحن بحاجة الى مزيد من الخلوات والتوصيات والاوراق؟
وسيكون على ادارة الملتقى، قبل ان تبدأ جلساته، ان تقول للرأي العام والاوساط السياسية ما هو الجديد الذي سيحمله ملتقى البحر الميت، وما هي الاضافة التي يتضمنها، وهل يعتبر عقد الملتقى حكما على ما مضى بأنه لم يأت بما يستحق الاعتماد عليه لبناء مسار الدولة، ام هو نوع من اعادة انتاج ما تمت كتابته سابقا في اللجان والمنتديات والخلوات؟
ملتقى البحر الميت القادم يواجه تحديا في اسبابه وضرورته ونوعية مخرجاته، وأصل التحدي قادم من التجارب السابقة التي دخل معظمها عالم النسيان، وسكن الادراج! واقصى اشكال التبجيل والتقدير لبعضها كان القول انها تخضع للدراسة عبر لجنة حكومية، لكن الا تنتهي اللجان من اعمالها؟!
فكرة الملتقى من حيث المبدأ ايجابية؛ فجلوس القوى الفاعلة في الدولة لقراءة المستقبل نوع من التفكير الاستراتيجي. وهذا الملتقى، وكل ما سبقه من لجان ملكية، كانت بمبادرة من جلالة الملك، لكن واجب المتابعة وعدم الاعاقة وتحويل التوصيات الى واقع هو واجب الحكومات، لكن ما يجري ان لكل حكومة نهجا، واحيانا كانت بعض الحكومات تعبر عن سيادتها بالالتفاف على ما يأتيها من توصيات، وفي احيان أخرى كانت محصلة بعض اللجان تضيع تحت زحمة تنافس مراكز القوى وصراع السلطات والاشخاص. لتكون المحصلة مؤلمة، ولا تقتصر على هدر الجهود التي بذلت فحسب، وانما تكوين قناعة بعدم المبالاة والاهتمام بكل قادم من لجان وتوصيات.
وعندما ينعقد الملتقى عليه ان يقدم اجابات بشأن تقييمه ورأيه في مستقبل افكار وتوصيات تم طرحها؛ فهل مازالت فكرة الاقاليم التي طرحت كآلية لتعزيز المشاركة الشعبية وتنمية المحافظات فكرة حية، ام سيذهب الملتقى للتفكير بجديد؟ وهذا السؤال ينطبق ايضا على افكار لم تختبر، لكنها حظيت عند طرحها بدعم سياسي رفيع، وتسويق اعلامي كثيف.
وعلى الملتقى، حتى قبل ان يبدأ، تقديم ضمانات بأن ما سيخرج عنه سيجد طريقه إلى التنفيذ، وان الامر ليس عصفا ذهنيا او ندوات للحوار والنقاش؛ فعندما يكون العمل من الديوان الملكي وبرعاية ملكية، فإن الناس تنظر اليه باعتباره امرا جادا وتوجها رسميا، وليس حلقات نقاش او افكارا شخصية لمسؤول او مجموعة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة