الأزمة الأخيرة بين الحكومة والإسلاميين لا يزال فيها ما يستحق القراءة. فما يجري ليس "مشكلة" محددة، بل تحول في مسار العلاقة. وايا كانت المواقف من تفاصيل الأزمة فهنالك "مخلّفات" ومعطيات جديدة لن تذهب حتى لو وصلت المشكلة الاجرائية إلى حلول، ولعل هذه المعطيات تصنف في خانة إعادة تعريف العلاقة مع الإسلاميين في دوائر صنع القرار.
من أهم المعطيات أنّ الإسلاميين فقدوا - من وجهة نظر رسمية- ميزة الاعتدال، ولم يعودوا صمام الأمان في مواجهة التطرف الفكري، وكانت هذه ميزة او وظيفة للحركة في مسار الدولة. وبدأنا نسمع من الأحاديث الرسمية وصفا للاسلاميين بأنّ فيهم بؤرا للتطرف, او ان فيهم فكرا تكفيريا ينمو. هذا التحول في نظرة السلطة التنفيذية يفقد الحركة دورا وميزة ووظيفة، بل يحولها الى عبء، وهذا الأمر عملت أوساط عديدة تقف في صف أعداء الحركة على تغذيته.
واضافة الى الاعتدال الفكري كانت الخسارة، او التحول في الصورة، على صعيد الاعتدال السياسي, وهنا نتحدث عن الخطاب والتصعيد، ودخول مصطلحات جديدة على الخطاب الاخواني، او التوجه نحو صدام سياسي دون اعطاء مساحة اكبر للهدوء، ولعل بعض الاوساط تحاول التعميم لتقول ان الاسلاميين او جزءا من قيادتهم بدأت تمارس التطرف السياسي، ثم جاء بيان الملتقى، الذي تحدث بلغة ومصطلحات وصلت الى حد تخوين النظام السياسي، وهي لغة استغربها اصدقاء الاسلاميين وخصومهم؛ لأنها لا تعني الا التناقض الكامل مع الدولة. 
إعلان براءة الجماعة من البيان واعتباره لا يمثل خط الجماعة، هذا الاستدراك، كان ايجابيا وضروريا وتبعه المؤتمر الصحافي للمراقب العام الذي كان الحديث فيه معقولا، ولاحظ المتابعون تحييد بعض الاصوات القيادية التي لجأت للتصعيد او كانت شريكا في اخراج بيان الملتقى. هذا التوجه من المراقب العام لاستعادة زمام المبادرة وقيادة المرحلة وفق الخط التاريخي للاخوان, ربما كان رسالة او ردا على مقولات فقدان الجماعة لميزة الاعتدال السياسي, وان معادلاتها في العلاقة مع الدولة لم تتغير، وأنها لا تقايض هذه المعادلة بتحالفات جديدة.
لعل احتلال أي شخص مساحة من الخطاب والظهور الاعلامي ومحاولة صبغ مسار الجماعة بطريقة خطابه او قناعته يسبب احيانا مشكلات كبرى، بخاصة اذا لم يحسن هؤلاء التعبير عن حقيقة مواقف الجماعة. والأصل ان يعبر عن مواقف الجماعة الممثلون لخطها في اعلى المواقع الحقيقية. لهذا كان ظهور المراقب العام في اكثر من مرة بخطابه الهادئ خطوة في الاتجاه الصحيح، ومن ذلك تصريحاته الواضحة التي رفضت بيان الملتقى الذي كان من الممكن ان يكون عبئا كبيرا على الجماعة. فاستدراك المراقب العام قطع الطريق على مزيد من التصعيد واصلح خطيئة مارسها من حضروا الملتقى من قيادات غرقوا في نشوة الحماس او خذلتهم الخبرة في تقدير عواقب الامور.
يقرأ خصوم الجماعة واصدقاؤها مواقف المراقب الهادئة التي اعادت الاعتبار للخطاب العقلاني واوقفت بعض المواقف التي لم تخدم الجماعة ومارسها البعض غير مدركين أن المسؤولية ليست خطابا في مهرجان او مؤتمر صحافي، بل قيادة لجماعة تحمل فكرة ومكتسبات عمرها (60) عاماً، فالأمر ليس "طوشة" او شجاعة فردية، بل قيادة تحتاج إلى فقه الموازنات وقراءة الواقع وتقديم ما يلزم لتقليل الخسائر.
ظهور المراقب العام، بخطابه الهادئ، ضرورة وازالة مخلفات المرحلة جزء من واجبات القيادة، وكما اشرت، فحديث المراقب العام في مؤتمره الصحافي، وقبل ذلك رفضه بيان الملتقى، فوّت فرصا على فريق التصعيد، ووفر جزءاً من العقلانية لحماية الحركة والفكرة ومكتسبات الجماعة التي لا ينكر احد تاريخها ودورها الكبير. المشكلات لا تأتي من الخصوم فقط، بل من ادارة غير سليمة او ضعف خبرة. فليكن المراقب هو العنوان، فهو محل احترام وتقدير وخطابه وما عرف عنه من حس وطني ومسؤولية عالية كفيل بالوصول بالمسيرة إلى الاتجاه الصحيح والسليم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة