حملت "الغد" يوم الاربعاء الماضي تصريحاً لرئيس جمعية المستشفيات الخاصة يتضمن تهديداً للحكومة بأنّ المستثمرين في القطاع الطبي سيقومون بالهجرة من الاردن الى الدول المجاورة، في حال تمّ فرض ضريبة دخل على المستشفيات الخاصة. وهذا الحديث غريب ويحمل منطقاً غير مفهوم، فمعناه أن رئيس الجمعية يطالب فقط بالامتيازات والاعفاءات الضريبية للمستشفيات وجني الارباح، أما إذا طلب منها أن تدفع ما عليها من التزامات تجاه بلادها عبر ضريبة الدخل فإنّ الخيار هو الهجرة وحمل الاموال الى دول اخرى!
والسؤال: أليست المستشفيات الخاصة مشاريع استثمارية تعود على اصحابها بالارباح الطائلة والاموال الوفيرة، أَوَ لا تستفيد المستشفيات الخاصة من البنية التحتية واجواء الأمن والاستقرار وعلاقات الاردن، ام ان واجبها فقط جني الارباح دون ان تعتبر أن أدنى واجباتها يتمثل بدفع ضريبة للخزينة؟!
هل المستشفيات الخاصة مشاريع خيرية تعالج الناس بأسعار رمزية وتشفق على الفقراء، ام هي شركات تحاسب المريض على خدماتها كافة صغيرها وكبيرها واجور اطبائها؟! وهل المرضى العرب الذين يأتون للعلاج هنا, فقط لأنّ لدينا مستشفيات ام لصورة الأردن الطبية التي تراكمت عبر عقود وساهمت فيها الدولة بإمكانات وجهود كبيرة؟ وهل هؤلاء المرضى يعالجون مجاناً ام يدفعون الكثير؟!
نتذكر قبل اشهر كيف احتجت المستشفيات الخاصة على قرار او توجه لوزارة الصحة بإلزام المستشفيات الخاصة دفع ثمن وحدات الدم التي تأخذها من بنك الدم وتقدمها للمرضى العرب، علماً أن المستشفيات الخاصة تتقاضى من المرضى العرب ثمن هذا الدم كما أنه جزء من مميزات خدماتها، لكنها لا تريد دفع ثمن هذا الدم الذي تتقاضى ثمنه.
لعلنا في الاردن صنعنا مفهوماً للاستثمار وكأنه "كرم" من المستثمر، وليس عملاً يقوم به ويحصل من خلاله على ارباح، وربما من حق الوطن على اصحاب المال من ابنائه ان يستثمروا اموالهم فيه، فهذا ادنى الحقوق، ومن واجبهم ايضاً ان يدفعوا ما عليهم من ضرائب، ولا يجوز بلغة العلاقة بين اي مواطن ووطنه ان يمارس التهديد برحيل استثماراته اذا فرضت عليه الحكومة ضريبة دخل، الا إذا كان هؤلاء المستثمرون يعتقدون أن اقامتهم للمشاريع فضل وجميل يفترض أن تبقى الدولة تشكرهم عليه ليل نهار.
المواطن الفقير يدفع للدولة ضريبة مبيعات على قلم الرصاص والزعتر وحتى السكر والارز والشاي اذا اشتراه من محلات كبيرة، وكلُّ مَن راتبُه اكثر من (500) دينار يدفع ضريبة دخل؛ فلماذا لا ترى المستشفيات الخاصة ان للوطن في رقبتها حق الضريبة على مشاريع ناجحة تجلب لأصحابها ارباحاً طائلة؟
يمكن للحكومة أن تقدم للمستشفيات بعض الدعم عن طريق اتفاقيات لتحويل مرضى وزارة الصحة الى المستشفيات الخاصة، او بعض التسهيلات، لكن عندما تحاول الحكومة تعديل اوضاع غير سليمة وفرض ضريبة الدخل فإن هذا يفترض ان لا يُقابل بالتهديدات او التحذيرات بحمل الاموال والهجرة الى دول اخرى. فأبسط البدهيات ان علاقة اي مواطن مع وطنه ليست علاقة مستثمر مع منطقة صناعية او سوق حرة.
نقدر حاجة الأردن للاستثمارات العربية والاجنبية والمحلية، لكننا صنعنا معادلة للاستثمار ظهرنا فيها وكأننا (نتسول) الاستثمارات، او كأن اصحاب المال يأتون الينا لفتح جمعيات خيرية او توزيع صدقات. ففرق بين تسهيلات معقولة مفهومة، وبين فتح كل التشريعات وكأن القادم سيوزع امواله على الاردنيين.
(600) مليون دينار حجم التهرب الضريبي ضاعت على الخزينة، وكثير من الاستثناءات تعطى بكرم غير مفهوم وتضيع على الخزينة، ما جعل بعض المستثمرين يشعرون ان فرض ضريبة الدخل ظلم لها يقابل بالتهديد بالهجرة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة