بالطول سأحملُ سلَّمي، وأمشي إلى ياسمينها المخضوب بالخوف والسأم. سأحمل قلبي على مهلي؛ كي لا يغصّ بالعبرات والآهات. سأتعربش غيمة؛ علني أرى ذلك التمثال الهارب حاملاً رأسه المقطوع. فأي قدرٍ هذا الذي يزنر المدن العظيمة ويحزنها حدَّ الثكل وأبعد؟. وأي حزن يلفُّ مدينةً كان لا يلفها إلا عطر الغوطتين، ولا يوشيها إلا ندى الفجر. سلام عليك يا دمشق.

الفيحاء، جلّق، شامة الدنيا، درة الشرق، شام شريف. كلها أسماء حملتها هذه المدينة الضاربة جذراً عميقا في التاريخ، والتي لم ينقطع فيها خطّ الحضارة منذ أزيد من عشرة آلاف سنة. ولكني سأقف مع اسمها الآرامي، الذي جاءها من (دَمْشَقَ)، بمعنى (أسرع)، لأن أهلها دمشقوا في بنائها كما شاع في بطون الكتب، ولأن طاغيتها أسرع في ردمها كما نراه في العيان.

لن أدمشق بسلمي، بل سأمضي إلى قاسيون؛ لأقرأ البيوت تتعمشق هذا الجبل السامق بتشبث وإصرار. سأيممُ إلى بردى، وذاكرة الماء في نهر ذبُل منذ حنين. ياااااااه، أي وجع يلبسني كلما وقفت على عتبة مدينة أنهكتها الحرب؟.

قبل أيام عشنا مع فيلم (سلم إلى دمشق) للمخرج السوري محمد ملص، في سينما الريبنو، بدعوة من مؤسسة عبدالحميد شومان. عشنا حياة لا توزي حياة دمشق التي نعرفها، أو نتمناها. ولا تتقاطع مع حياة تاهت في عثرات الدروب وضياع الحروب. بل عشنا فيلماً كقصيدة. وأي حياة تقولها القصيدة؟

القصائد تبوح بما لا تقوى عليه أرواحنا المتعبة. القصائد تحلق حيثُ لا تستطيع أجنحتنا الهزيلة، أن تهرب بوجعنا المبثوث. الأفلام المبدعة قصائد تترك لنا فسحة لننتقي وبر النجوم لوسادة تاؤنا بنوم بلا كوابيس. الأفلام قصائد سيما إن تصدى لها مخرج عرف معنى أن تفقد مدينة سلّمها وسلامها. وعرف معنى أن يغدو حمامها سراباً، وأن تتحول إلى قنبلة موقوتة. وأن تلقم ببراميل البارود صبح مساء.

الفيلم عرف كم هي حزينة دمشق. ليس لأن أهلها أسرعوا في حياتهم وياسمينهم، بل لأن الطغيان كان أصل الشرور. فماذا كان سيضيرك يا دكتاتور إن كتب أطفال على الجدران: (جاك الدور يا دكتور)؟. لماذا سقيت البلاد بالدم؟. ألا تعلم أن الأرض تمتص كل شيء إلا الدم؟.

المشهد الذي سيهز الإنسانية وكيانها، هو المشهد الأخير من الفيلم. يحمل المتعبون الضاجون من سأم ووجع المدينة سلماً قصيراً، ويمتشقونه فوق بيت بسيط، ثم يرنون إلى السماء. يا الله

 

بقلم: رمزي الغزوي.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   الآداب