لعلها المرة الاولى منذ عقود يكون الموقف من ازمة محورها عدوان صهيوني على ارض وشعب عربي يتضمن اجماعا وانقساما ليس من قبل المجتمع الدولي، بل في داخل الدولة التي تتعرض للعدوان ومحيطها العربي.

الاجماع العربي واللبناني واضح في ادانة الاعتداءات والقصف الصهيوني واستهداف البنية التحتية للدولة اللبنانية، واجماع على ضرورة وقف هذه الهجمة الهمجية الاجرامية التي تمارسها قوات الاحتلال.

اما الانقسام فهو حول جدوى العملية العسكرية التي قامت بها المقاومة اللبنانية وبخاصة انها لم تكن قرارا للدولة بل للحزب. هذا الانقسام كان واضحا في الساحة اللبنانية وخرجت قوى لبنانية تعلن ان حزب الله قذف بلبنان الى فم الوحش الصهيوني. قوى الرابع عشر من اذار المناهضة لسورية، التي تمثل ثقلا في الحكومة، اصدرت بيانا دانت فيه العدوان الاسرائيلي لكنها هاجمت بشدة حزب الله وانفراده بالقرار، بل ان هذا البيان الذي يمثل رأيا لقوى فاعلة في الساحة اللبنانية اعتبر ان عملية المقاومة ضد الاحتلال ثأر لتحليق الطيران الاسرائيلي فوق قصر رئاسي سوري. اي ان الانقسام اللبناني السياسي حول جدوى العملية واضح ومعلن ومحل نقاش على الفضائيات اللبنانية والعربية.

وامتد الانقسام حول عملية اسر الجنود الى الموقف العربي، إذ وُجد الموقف القوي من السعودية التي حمّلت حزب الله مسؤولية ما سيتعرض له لبنان من عدوان، واعتبرته يمارس مغامرات غير محسوبة، وهذا الموقف السعودي من دولة ذات ثقل في لبنان اعطى للمواقف الرافضة لحسابات حزب الله قوة دفع، ثم جاء الموقف الاردني المصري المؤكد على الموقف السعودي، مع التأكيد في الوقت نفسه على إدانة الاعتداء الإسرائيلي.

واشير هنا الى ان هذا الموقف العربي لكل من السعودية ومصر والاردن انطلق من اشارة اعلنها الشيخ سعد الحريري اثناء زياراته للاردن حينما اشار بوضوح الى رفضه كتيار وسياسي ان يكون لبنان ساحة لتصفية حسابات قوى اقليمية، وحتى وليد جنبلاط، الخصم اللدود لحزب الله، دان العدوان الاسرائيلي لكنه لم ينس موقفه حين اعتبر العملية التي قام بها حزب الله خدمة للمحور السوري- الايراني.

وقاعدة الانقسام اللبناني والعربي حول جدوى عملية حزب الله واعتبارها من البعض مغامرة غير محسوبة، او عملية خدمة للمحور السوري الايراني، قاعدة كل هذا قناعة لدى اطراف عربية ولبنانية عديدة ان حزب الله فعل ما فعل خدمة لحسابات ايران، وان العملية رسالة ايرانية للولايات المتحدة بان التفكير باستهداف عسكري لايران لتصفية ملفها النووي ستكون له اثار اقليمية.

لهذا فالاطراف العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وايضا القوى اللبنانية، التي انتقدت عملية حزب الله، لا ترى في حزب الله قوة لبنانية، بل امتداد للنفوذ الايراني، وتعتقد هذه القوى ان الخسائر الكبيرة التي يدفعها الشعب اللبناني ودولته هي لحساب مصلحة ايران، ويرون ايضا ان ايران وحزب الله يغامران باستقرار لبنان لخدمة ملف إيران النووي ومواجهتها مع الادارة الاميركية. هذا الانقسام حول ما قام به حزب الله ليس موجودا حول ما تقوم به المقاومة الفلسطينية، فهنا اجماع على دعم حق المقاومة الفلسطينية.

المخاوف من امتداد النفوذ الايراني، والتجربة العربية مما يجري في العراق والدور الايراني هناك، كل هذا خلق حالة قلق ومخاوف معلنة او متسترة من ايران وحلفائها من القوى الشعبية والتنظيمات، وأولى ثمار هذه المخاوف حالة الانقسام اللبناني والعربي حول جدوى واهداف ما قام به حزب الله، واعتقاد هذه القوى انها حرب بالوكالة عن ايران وسورية. وهذا ما يجعل من الضرورة التوقف عند مستقبل العلاقات العربية- الايرانية بعيدا عن شكلياتها والمجاملات التي تظهر احيانا.

السؤال: هل زيادة مستوى العدوان والاجرام الصهيوني بحق لبنان سيكون لمصلحة حالة الاجماع على رفض العدوان ام سيزيد حالة الانقسام؟ والاجابة ستتأثر بالمتغيرات وجرأة مزيد من الاطراف العربية على اظهار مواقفها الحقيقية او مجاراة الحالة العامة.

اضافة الى موقف الاجماع والانقسام فإنّ هنالك حالة المشاهدة والنضال الاعلامي التي تمارسها ايران وسورية، فإيران تعلن انها لن تسكت اذا ما تمت مهاجمة سورية، لكنها تسكت ولبنان تحت التدمير والقتل، وسورية التي وصل القصف الى مشارف حدودها على الطريق الدولي، ويتم تدمير لبنان امام عيونها تفتح حدودها للسياح العرب الهاربين الى فنادق دمشق التي اصبحت متخمة بالسياح، وكما ان الشعب الفلسطيني يواجه الموت وحده، فكذلك الشعب اللبناني، فالحلفاء يقطعون الثمار ويخوضون حروب الميكروفونات.


المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة