اللجان الفرعية في ملتقى البحر الميت تكتب الأوراق، منها ما يخص الحياة الحزبية والواقع السياسي، وسنستمع الى توصيات وتشخيص لهذا الواقع. لكن ربما ما نحتاج اليه هو شجاعة من قادة الحياة السياسية الشعبية لاعلان مؤسساتهم مناطق منكوبة.
اذا امتلكنا قدراً اكبر من الشجاعة فإن علينا الاعتراف بأن الحياة السياسية تعاني فقراً ومللا كبيرين، فأحزابنا التي زادت على الثلاثين حزباً يحتاج أغلبها او ربما اكثر من 80% منها فقط الى اعلان الوفاة، لكن مثلما هو واقع الانظمة العربية لا احد يريد التخلي عن منصبه حتى لو كان شكلياً، اوعن بطاقة الدعوة للقاءات مع الحكومة ومناسبات بروتوكولية.
نعم احزابنا وحتى العديد من مؤسسات العمل العام فقيرة بائسة لا يمكن اصلاحها، بعضها فقد مقومات وجوده وفق القانون والواقع، بلا نشاطات او انصار او مال او إعلام او نواب الا الأمين العام. لكن اين هي الشجاعة التي تدفع بعض السياسيين لإعلان هذا الواقع والاتجاه للدمج او التوحد مع آخرين؟ وحتى بعض الاحزاب الكبيرة؛ فإنها لا تخلو من الضعف لكنه ضعف لا يظهر لأنها تنفق من رصيدها التاريخي لا من ارباحها.
في بلادنا ندوات وحوارات وأمسيات لكن من يتابعها يجد اشخاصها وابطالها هم الاشخاص أنفسهم. نتحدث بالحديث ذاته في كل ندوة او ورشة، ربما يريد اصحاب المراكز المنظمة ان يعملوا او ينفقوا التمويل الذي يحصلون عليه من مؤسسات دولية، لكنها لقاءات أصبحت مكررة مثل المسلسلات المصرية، لا جديد لا في الاوراق ولا النقاش ولا الوجوه، وكل هذا من عناوين واعراض البؤس والفقر السياسي.
الجميع يعتقد ان قانون الانتخاب لو تم تعديله لتغيرت الاحوال، وهذه قناعة لا يمكن الجزم بها، فالقانون يساعد من هو على قيد الحياة، أما ما يسمى مؤسسات المجتمع المدني، بما فيها الأحزاب، فإنّ الكثير منها يعاني من أعراض الشيخوخة المبكرة وانعدام المبادرة.
الأمر بحاجة الى شجاعة من أغلب احزابنا بالاعتراف بأنها ميتة لا وجود لها، وان المطلوب منهم ليس تحنيط الميت بل إكرامه، والبحث عن هيئات تملك مقومات الحياة. وعلينا ان نعترف ايضاً ان كل الصخب في ورش العمل والندوات لم يعد يحمل جديداً الا بمقدار انعكاسه على حركة الفنادق وشراء كميات الكولا او وجبات الغداء واشرطة التسجيل. لكن من الذي سيقرر اعلان هذا الواقع منطقة منكوبة؟!
حتى بعض المتفائلين فإنهم يذهبون لبناء تيار وسطي وآخر ديمقراطي، لكن البؤس والفقر والامراض تنتقل من الجزء الى الاجسام الجديدة. لهذا لم تنجح تجربة ائتلاف او تيار. وحتى تجربة احزاب المعارضة فإن سر بقائها انها لم تطور عملها واكتفت ببيانات مشتركة وبعض النشاطات.
ما نطالب به من واقعية في التعامل مع هذه المؤسسات لا يعني الانسحاب الى البيوت بل البحث عن اسباب النجاح، والتخلي عن الانانية وحسابات الزعامة، حتى لو كانت على حزب غير موجود. مشكلتنا ليست فقط في الحكومات او طريقة تشكيلها وهبوط بعض الوزراء على المواقع دون اسس، بل ايضاً في مؤسسات حزبية واجتماعية فقدت مقومات الحياة وتعجز حتى عن الحد الادنى من الحركة، لكن قادتها يصرون على انهم يقودون قوى كبرى.
عندما تستمع الى البعض يتحدث عن حزبه تتخيل انك امام حزب العمال البريطاني، وليس امام حزب بلا مقر ولا اجتماعات ولا اعضاء. مثل الانظمة والحكومات لا نقف نحن الشعوب لنقوّم اوضاعنا بشجاعة. فالاحزاب غير الموجودة التي تدعو لاصلاح الوطن والامة مطالبة بتقويم واقعها واصلاح ذاتها، ولدينا عشرات الندوات عن قانون الانتخاب، لكن لم نسمع ان حزباً اصلح نفسه او اعترف بضعفه ووفاته.
احياناً لا يمكن البناء الا بعد هدم المباني القديمة، التي لم يبق منها شيء. وحياتنا السياسية المنكوبة تحتاج الى اعادة إعمار، وليس الى طراشة وتركيب شبابيك، لكن من يقدر على القرارات الصعبة ويتحدث بصراحة عن واقعه ويبدأ مسيرة الإصلاح؟ من المؤكد ان هذا لن يحدث ولهذا سيزداد الضعيف ضعفاً وستتحول الكثير من هذه الهيئات الى ما يشبه بقالات القرى، بلا بضاعة ولا زبائن، باستثناء القول انها دكانة فلان، ولن تفلح كل الوصفات و"الحجابات" في اصلاح ما هو قائم!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة