تستحق قيادة جماعة الاخوان المسلمين التي يقودها المراقب العام كل الدعم والتقدير لموقفها المعتدل الذي سجلته في اكثر من محطة؛ سواء بيانها "بيان للناس"، او موقفها الجريء في البراءة من بيان الملتقى الذي صبغ النظام السياسي الاردني بالخيانة لوطنه وامته، وجاءت الخطوة الاخيرة في البيان الذي اصدرته بعد لقائها برئيس الوزراء، هذا البيان الذي اكد على الهوية الاردنية للجماعة دون الاخلال او الاهمال للقضايا العربية والاسلامية، وحمل تأكيدا على الولاء للوطن وقيادته الهاشمية، ورفض كل ما يسيء لمشاعر الاردنيين وتحديدا ضحايا تفجيرات عمان، ورفض التكفير والارهاب وفوضى الفتوى.
نعيد الحديث عن هذا البيان وعن المواقف المعتدلة للقيادة والمراقب العام سالم الفلاحات لأن بعض الأوساط الإسلامية والسياسية تمارس تحريضا على هذه القيادة وتتهمها بالضعف والتخاذل والانصياع لشروط الحكومة. ويحاول البعض حصد الشعبية وتقديم نفسه حريصا على مسار الدعوة والحركة اكثر من قيادتها الشرعية ومسارها التاريخي، وربما علينا ان نكون اكثر وضوحا فلولا التصعيد الاعلامي الذي مارسه البعض والاداء غير الموفق في ادارة الازمة واعتبار الاعتذار ابعد من نجوم السماء، لولا هذا لما كانت العودة الى توازن الجماعة وخطها التاريخي يفسر على انه انصياع لشروط الحكومة.
قيادة الجماعة لم تخطئ ولم تنهزم عندما اكدت ولاءها للاردن وقيادته. فالجماعة منذ ان كانت تعمل ضمن النظام وتؤمن بالدستور والقانون، ولم تكن يوما تنظيما مسلحا او حركة ثورية. والقيادة لم تخطئ عندما رفضت الارهاب واعتذرت لأهالي ضحايا تفجيرات عمان من اي اساءة، ولا عندما دانت الارهاب والتكفير، والتزمت بالمصالح الاردنية.
والقيادة لم تخطئ عندما اختارت الحكمة لتفويت الفرص على المحرضين والخصوم، ولتقليل الخسائر والحفاظ على مكتسبات الحركة، ولهذا فظهور اصوات ترفض هذه المواقف الراشدة يظهر الجماعة وكأنها تختلف على الالتزام بالولاء للاردن وقيادته، او ترفض الارهاب والتكفير او تعتذر عن اي اساءة للشعب الاردني، وهذا الضغط على القيادة بسبب هذا البيان العاقل يقدم خدمة للخصوم الذين يشككون بمصداقية هذه المواقف ويرونها نوعا من التكتيك، فهل المطلوب اضعاف هذه القيادة في هذه الأزمة واضافة اعباء جديدة على الحركة فوق ما هو موجود؟!
حتى لو كان للبعض ملاحظات على اجراءات او حتى مواقف. فالاولوية للعبور من الازمة لا تحويل الجماعة الى ملف اعلامي عنوانه الخلافات والانقسامات، وبغض النظر عن حق اي شخص في الاعتراض او الاستقالة فإن هذه الحقوق تحكمها ايضا المصالح والتوقيت.
ربما آن الاوان ان يتحدث قادة ومفكرو الحركة للقواعد بلغة واضحة لا تقبل التأويل عن نهج الحركة الاصلاحي الذي يؤمن بالدستور والدولة، ويعترف بالنظام السياسي. وعلى هذا الاساس عمل الاخوان منذ ستين عاما، فدخلوا البرلمان والحكومة ومجلس الاعيان والبلديات واقاموا المؤسسات، وشارك في هذا العمل حتى اولئك الذين يعلنون عدم اعترافهم بالدستور وهم افراد لا يمثلون الجماعة، لكنهم متناقضون مع انفسهم، فمن لا يعترف بالدولة والدستور يُفترض انه في الجبال يقود تنظيما مسلحا وليس نائبا في البرلمان!
تستحق قيادة الجماعة ومراقبها العام الدعم على مواقفها الراشدة ليس لأنها لا تخطئ او كاملة الاوصاف، بل لأنها اختارت المسار السليم في لحظة صعبة، بما يحفظ وجود الجماعة ويخفف عنها الاعباء.
ولعل من المفيد الاشارة الى ان لقاء الجماعة مع رئيس الوزراء لم يكن لقاء تفاوض، ولم يكن اصدار البيان الذي يستعمله البعض للتحريض على هذه القيادة مقايضة باطلاق سراح النواب او طي ملف جمعية المركز الاسلامي، لكن قد تكون اي مبادرة من الحكومة كفيلة بتخفيف التحريض على قيادة الجماعة التي يتهمها البعض باصدار البيان دون مقابل. فهل الاعلان عن الولاء للاردن ومصالحه ورفض الارهاب يحتاج الى ثمن! ومع ذلك فإن اي مبادرة قد تعطي معسكر الاعتدال قدرة اكبر على مواجهة الظروف.
يغضب البعض من البيان ويغيب عنهم تاريخا من الانحياز للدولة (عام 1957،1970،1988، 1996) فأيهما اصعب هذا التاريخ ام بيان يعتذر لضحايا تفجيرات عمان؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة