هاتف اكاديمي ودود من الزميل د. مهند مبيضين تحدث الي فيه عن كتاب يقوم بقراءته لاحد الباحثين الغربيين (فرانك مرميه) عن مدينة صنعاء واسواقها، وتحديدا حول احدى المهام في ادارة هذه الاسواق. قرأت الكتاب عن مدينة عربية عريقة، لكنني سأتوقف واياكم عند وظيفة جميلة وهامة وهي "عُقّال السوق".
عُقال السوق او العقلاء يمارسون وظيفة مهنية وادبية ورقابية، لكن العبرة بمواصفاتهم، وكونهم اهل العقل والحكم. وعاقل السوق يجري تعيينه من اهل السوق، لكن بموافقة الدولة. وجزء من وظيفته ان يجعل سلطة الدولة بأدنى الحدود في فك النزاعات، واذا لم ينجح بهذا، كان تطبيق القانون. انها وظيفة يعطى فيها للحكمة والعقل والخبرة مكان في تسيير الامور وحل الخلافات، اما القانون فهو الخيار الاخير.
مواصفات من يتم اختيارهم عُقالاً للسوق: النزاهة والتقوى والفضائل الاخلاقية، وان يكون ماهرا في الحرفة التي يعمل فيها، اي ما يسمى اليوم بـ"التكنوقراطي"، وهو مسؤول عن تسوية الخلافات بين اهل السوق الواحد، او بين التجار وزبائنهم، وله ادوار في تقدير قيمة الزكاة في حالة وقوع خلاف بين الادارة او تاجر او حِرَفي. ويكفل الباعة معنويا في علاقاتهم مع غرفة التجارة. والعاقل سلطة مضادة للتجار الذين يمارسون الاحتكار.
باختصار انها حالة مرجعية تحظى بالاحترام من قبل اهل السوق والدولة، ليست وظيفة وان كانت تحمل بعض خصائصها، لكنها حالة اجتماعية سياسية مهنية، يرى فيها التاجر والحرفي مصالحه ويأمن عليها من قبل رجل مهني صاحب خلق وتقوى وخبرة، وترى فيها الدولة حاميا للقانون حتى وان تمّ حل المنازعات بعيدا عن القانون.
عُقّال الاسواق نموذج للقيادات الشعبية التي تمثل نوعا من التواصل بين الدولة واهل الاسواق اي القطاع الاقتصادي. فالتجار يختارون عقلاءهم والدولة توافق، لكن الوظيفة خدمة للجميع. والعقال منزهون عن المصالح؛ لأن العاقل اذا بحث عن ربح او مارس الظلم والانحياز او فقد حكمته لصالح اهوائه وحساباته الخاصة لم يعد عاقلا.
كل المهن او كل المجالات تحتاج الى عُقال. فالعمل السياسي يحتاج الى عُقال، والعمل الاجتماعي والثقافي كذلك. انهم باختصار تلك النخبة التي تمتلك المصداقية والاحترام لدى الناس، وتثق بهم الدولة: ثقة باحترامهم للقانون وايمانهم بثوابت الدولة، وتثق بخبرتهم وقدراتهم وتأمن على القانون عندهم حتى وان لم يطبقوه ولجأوا للصلح والتسوية لحل الخلافات.
مشكلة الحكومات انها تحب ممن يقترب منها ان يتحول بوقا لها، او ترى في الحفاظ على تبعيته وليس انتمائه بأن توفر له قدرا من الامتيازات، وهؤلاء يعتقدون ان الابتعاد عن الناس وعن الموضوعية هما السبيل للحفاظ على هذه الامتيازات، لهذا نجد دائما ان التصنيف اما مع الدولة او مع الناس، مع حاجة الدولة والناس معاً الى عُقال يحفظون مصالح الطرفين ويؤمنون استقرار الدولة وثبات استمرارها.
حتى داخل التجمعات الاصغر (عائلات، عشائر، احزاب..) فإنها تحتاج الى عُقال، واصحاب صوت حكيم مسموع ومحترم, فعندما ترى في حزب او تنظيم خندقة ومؤتمرات وكولسات فهذا يعني ان العقال اما انهم مفقودون، او ضعفاء لا صوت لهم.
عُقال السوق وظيفة، أو دور، تمثل في المحصلة منفعة وحاجة نفتقدها كثيرا. فالسوق بلا عُقال يتحول الى غابة، واي مجتمع بلا عُقال تكثر مشكلاته، وحتى البيت الصغير فإنه يحتاج الى عاقل.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة