صندوق المعونة الوطنية اتخذ قرارا بقطع المعونة عن الامهات، من كبار السن ممن لهن اولاد كبار. هذا القرار يرفضه البعض؛ إذ ليس كل الأبناء بالضرورة مقتدرين على الانفاق على أنفسهم بالدرجة الأولى، وقد يكون بعض الابناء لا يعمل. في المقابل، يدافع الصندوق عن قراره بأن الأم التي لها ابناء عاملون فإن عليهم حق الانفاق عليها وتكاليف معيشتها.
بعيدا عن حيثيات القرار ورفضه او قبوله، فإن لدينا ظاهرة رديئة وهي عقوق الوالدين، وهنا لا اتحدث عن سلوك شخصي بين الابن وامه او ابيه، بل عن حالة اجتماعية تنعكس على حياة الاب او الام وقدرتهما على العيش. فالام لا تأخذ من صندوق المعونة اكثر من (30-40) دينارا وهو مبلغ قليل، لكن لدينا ابناء غادروا حياة امهاتهم وابائهم، مغادرة جعلت الابن ليس معنيا ان كانت امه تجد ما تأكله او لا تجد، مريضة او متوفاة، وربما يزورها في فترات متباعدة، واحيانا تعيش الام في غرفة وحدها في مرحلة تحتاج فيها الى ان ترى الناس، وتشعر بثمرة جهدها وتعبها مع ابنائها.
لو عدنا الى عاداتنا وتقاليدنا؛ فهل كان احد يرضى ان تتلقى امه الصدقات، وهو حي وموجود، حتى لو كان دخله قليلا ولا يكاد يكفيه؟! لكننا امام منظومة قيم جديدة، جعلت بعض فئات الابناء يرتضي لأمه ان تكون ضمن سجلات معونة الحكومة، وهو ينفق راتبه على زوجته واطفاله، وقد يشتري لابنه او زوجته ملابس، بأكثر مما تتلقاه امه من المعونة، لكنه يعتقد انه عاجز عن اعطاء امه بعض حقها!
البعض يعتقد ان "مال الدولة" يجوز "السطو" عليه؛ لهذا تعيش امه معه في بيته لكنه يرتضي لها، بل وقد يطلب واسطة من نائب، ليضع امه في كشوفات المعونات، والسند القانوني موجود، فهي سيدة لها دفتر عائلة وحدها، وليس لديها مصدر رزق.
انها اخلاقيات تجعل من البعض قادرا على قبول ان تكون امه ذات الفضل عليه مقرا لصدقات الناس وزكاة الفطر في رمضان ومعونة وزارة التنمية، وهو قادر على ايوائها واطعامها والعناية بها، وهذا الامر لا يمارسه اصحاب الدخول المحدودة، بل حتى اصحاب المال والجاه، والبعض يمارس عقوقا؛ لأن زوجته تمنعه من الاحسان الى امه او ابيه وان يكون برا بهما. وللأسف هذا العقوق تحول من ممارسة فردية الى مشكلة اجتماعية تطالب الحكومة بتحمل بعض آثارها وتقديم العون للامهات والاباء المظلومين من ابنائهم.
في بدايات تشكل الدولة لم يكن الاردنيون اثرياء، فهم يمارسون الزراعة وتربية الاغنام، يعيشون على الشوربة والعيش، واذا جاء ضيف ذبحوا له واكلوا من بعده اللحم. ولم يكن لديهم نقود في ايديهم؛ فالشاي احد اشكال الترف يتم شراؤه بالمقايضة بالقمح او البيض، والملابس موسمية، والحلاوة الاصابع والدبس ثراء فاحش، لكن الناس كانت نفوسها عزيزة، لا تمد يدها، ولا ترمي امهاتها تحت رحمة الصدقة الرسمية او الشعبية. لكن السياسات الخاطئة واختلاط الحابل بالنابل افسدت على الناس كرامتهم وعزة النفس فتحولوا الى (كومبارس) لمشاهد توزيع المعونات والوجبات!
اصبحت الام عبئا على الابن يتركها على ابواب مديريات التنمية. وقد يأخذ ما تحصل عليه من معونة، وينتظر ان تموت حتى يضمن رضى زوجته، واذا حدث توزيع لمعلبات او تمر فإنه يحاول ان يحصل لأمه على حصتها من صدقة المحسنين. لقد فقدنا بعض القيم التي كان الفرد يرى فيها كرامته اهم من كل شيء ولو نام جائعا. واصبح كل شيء خاضعا لحساب الدنانير ووجبات رمضان وصدقات المحسنين.
لقد اعتبر الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام، ان كل من ادرك والديه او احدهما ولم يدخل بهما الجنة خاسرا؛ لأن نبع الاجر والخير في بر الوالدين، واعتبر العقوق من الكبائر، والملائكة لا تعزي ولا تحزن الا من يفقد الاب او الام لأنه فقد الطريق الى الجنة ورضى الله. ومن يتوقف عند هذه المعاني يستحي على امه وابيه، ليس فقط في تقديم اساسيات الحياة بل في الا يتقدم على ابيه في المجلس والمسير وشرب القهوة وتناول الطعام والحديث، فيبقى الاب والام اعزاء حتى الممات، والعزة ليست مرتبطة بالغنى والفقر، بل بالاحترام، فالام تأكل مع ابنها خبزا وتشرب شايا اذا كان لا يملك غيرهما، لكن ان يأكل اللحم مع اطفاله، بينما امه على ابواب وزارة التنمية فهذا امر غير مفهوم!
من الضروري ان يعيد صندوق المعونة دراسة فئات من الامهات حتى لا تجمع ظلم الابناء وعقوقهم مع انقطاع مصدر الرزق، مع ايماني الكامل بأن الام حصة ابنها، فيما يملك، وهو كفيلها حتى مماتها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة