يقدم الجيش الإسرائيلي - على مرأى العالم_ درساً جديداً في الحسم ، ويظهر ذلك جليا في سرعة انقضاضه على قافلة الحرية العزلاء ، وهو إنما يؤدي بروفة صغيرة تشير إلى الكيفية التي سيوجه فيها نيرانه لقلب اي بلد عربي في قادم الأيام ، وهو لا يخضع لأية معايير أخلاقية ، وستكون المنطقة المستسلمة رهينة لهذه الروح المعادية للحياة ، مما يستلزم أن يتعامل النظام العربي بجدية اكبر مع هذا الخطر المميت المزروع في المنطقة ، وان لا يتم تبسيط القضية كون العدو على درجة من الجهوزية تمكنه من الانقضاض في أية لحظة.

وعلى النظام الرسمي العربي أن يعيد حساباته ، وإلا سيتعرض العرب إلى مجزرة حقيقية ، وتكون هنالك عرب بائدة أخرى ، فالعدو يملك ترسانة نووية ، ومن الضروري إعادة حالة التعبئة ، وإحياء الروح القتالية لدى الشباب العربي ، وتحصين الأمة من الهزيمة ، والاستكانة في ظل التحديات الماثلة.

ويجب بناء إستراتيجية عسكرية جديدة تأخذ بعين الاعتبار حجم المخاطر الكامنة بوجود مثل هذا العدو المتربص على مقربة منا ، وإعادة التسلح لمواجهة ظروف قاسية سيفرضها في قادم الأيام ، فهو عاصفة من الموت تنتظر كي تهب في أية لحظة ضعف عربية.

وهو يحيي كل يوم دواعي العداء ، ولا يقدم نفسه بصيغة وادعة تقتضي قيام علاقات طبيعية معه ، وحتى المحاولات العربية المحمومة لوقف الصراع ، وإنشاء الاتفاقيات ، ومعظم التنازلات في مجال السيادة ، أو التعري أمام التاريخ فيما يخص الكرامة الوطنية فبقيت بمجملها غير قادرة على حماية المنطقة من جرائمه ، فمهما قدم للعدو من تنازلات فلن يغير ذلك من دوره الذي يتواجد في المنطقة على أساسه.

العدو يتربص بالأمة ، وهو محمل بالموت والدمار ، ومشروعه تدميري ، ولو أغمض العرب عيونهم عن استيلائه على الأرض العربية فلن ينفي ذلك كونه خطرا مميتا بات وشيكا ، وهو سيقتنص الفرص لبذر الموت والخراب اذا تمكن من ذلك.

وسيعرض هذا العدو البنى التحتية ، والإنسان العربي ، والتنمية إلى التلاشي ما لم يتم بناء خطوط دفاع لازمة لمواجهة جرائمه المقبلة.

ما أقدم عليه الجيش الصهيوني قبالة شواطئ غزة يجب إن يوقظ مخاوف شكل المستقبل القادم ، وان يصار مجددا إلى اخذ الاحتياطات الحقيقية أمام خطره الوشيك ، وهو لا تردعه الشرعية الدولية ، ولا يعيرها اهتماما ، ولا يلتزم بالاتفاقيات ، ولا مناص من ضرورة الإعداد لمواجهته ، وبناء ثقافة المقاومة في الأجيال كي لا نجد أنفسنا ضحايا تطلعاته العدوانية.

هو لا ينتظر ، ولا يمرر الوقت ، ولا يتناسى جوهر أهدافه المدهونة بالدم ، والفلسطينيون ليسوا سوى أولئك الذين يقفون على مقدمة هذا الصراع ، وإنما ينسحب عدوانه على الأمة بأسرها ، وقد يكون قدر الجغرافيا أن وضعنا في الحلقة العربية الأقرب من أهدافه ، ولا تجوز محاولات القفز عن حقيقة الصراع.

ويظل واجب الحذر من مخططاته لا يرتبط فقد بالمسؤولية القومية إزاء الأرض العربية المحتلة ، وإنما يندرج تحت ضرورة التعامل الجدي مع الخطر القريب ، والذي سنجد أنفسنا نكتوي بناره في المستقبل.

درس هذه الأيام المرة يمكن له أن يوقظنا من أوهام السلام إذا أخذنا متطلبات المستقبل الآمن بعين الاعتبار ، وعدم التهاون بمصير الأجيال ، فالقضية اكبر من أن يلازمنا التخاذل ، وعدم تقدير دقة المسؤولية.

ومعطيات الصراع العنيف ليست مدعاة للتعامل العاطفي مع المجريات وإنما تحضر المسؤولية الرسمية التي تقتضي الارتقاء إلى مستوى الحدث تحسبا للقادم المأساوي.

العدو على أهبة الاستعداد لنقل الخراب إلى عواصمنا ، وتحويلنا إلى جثث ، وضحايا ، ولن تحمينا المعاهدات ، وستفشل عن إيقاف حالة الموت التي يستدعيها وجوده في المنطقة.

وهذه الحرب القادمة وربما تكون على مرمى البصر ، وهي ستلبي أغراض التمدد الصهيوني ، وعلينا أن نواجه مصيرنا ، وان نوظف طاقاتنا في حماية إنساننا ، والحفاظ على بلادنا ، ومقدراتنا ، وتحضير الأجيال لأداء المهمة الحتمية.

التعبئة الدينية ، والقومية لازمة لتحصين روح الأمة ، وإحياء قيمة الوطن في ذاكرة النشء من خلال المناهج ، وتقوية الروابط الوطنية ، والاستعداد لمواجهة أسوأ الاحتمالات. ذلك أن العدو لا يفتأ يزيد في دوافع الصراع ، ويغذي روح العداء في أجياله ، ونحن ملزمون بالتعامل بالمثل كي لا نصبح موتا مؤجلا ، أو مجرد شعوب برسم الموت.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رشاد أبو داوود   جريدة الدستور