بعض المجتمعات العربية كانت تستعمل الطرابيش حيث يلبسها الرجال، او فئات منهم. كانت الطرابيش بضاعة رائجة تماما مثل بيع اجهزة الخلوي الان. لكن تبدل الاحوال والظروف جعل من الطرابيش بضاعة تراثية تباع في اسواق السياح والدكاكين القديمة، فلم يعد بيع الطرابيش مصدر رزق حقيقيا، مثلما كان عليه الامر قبل عقود. والتجار، بالعادة، اذكياء فتاجر الطرابيش قد يتحول الى بائع لمواد اخرى، وربما يحول دكانه الى بيع (الجينز).
العاملون في عالم السياسة بعضهم ما يزال يبيع الطرابيش، بل ويعتقد انها سلعة لا يستغني عنها رجل، وما يزال هذا البعض يفكر على قاعدة ان بيع الطرابيش تجارة رابحة. وهنا لا نتحدث عن قناعة مثلا بأن السياسة الدولية لم تعد تحت حكم الاستعمارين الانجليزي والفرنسي، وان عالم اليوم لا يزال تحت معادلة الحرب الباردة، بل عن تحولات تحدث داخل الدول والمجتمعات. لهذا نجد في دولنا ومنها الاردن من يدير علاقاته مع الحكومة بناء على معادلات تاريخية، ويكرر جملا ومصطلحات لا تعني شيئا لصانع القرار، وهذا ينتج قراءة خاطئة لأحداث وازمات.
"اظهار الولاء" يبدو للبعض مثل بيع الطرابيش يحتاج الى تجديد في الاساليب والمضمون. فما كان قديما يقرب الناس للحكومات واصحاب القرار لم يعد كله طريقا للتعبير عن الموالاة. فهنالك فئات ومجموعات واشخاص عرفوا لغة امتلاك النفوذ والثقة الجديدة فمارسوا تجارة لا علاقة لها ببيع الطرابيش وتجاوزوا القصائد الشعبية والشعر النبطي والعزائم وذبح الجمال الى لغة جديدة تتناسب مع الجديد حولنا. فتحدثوا بلغة العالم وحملوا معهم في كل مكان الكمبيوتر او ما يسمى "LAB TOP"، وعرفوا اولويات المجتمعات وما يشغل اهل القرار، واقاموا علاقات مع الخارج وحملوا تزكية وحسن سلوك من عواصم صناعة القرار، وليس من اماكن اخرى.
صناعة الطرابيش ليست فقط في عالم الموالاة، بل المعارضة. فالبعض يمارسها بشكل تقليدي عبر بيان او مهرجان، والبعض الاخر يمارسها عبر ملفات سياسية وحقوق الانسان والمرأة والطفل وغيرها من ملفات العالم الحديث، ويقدمون انفسهم للخارج على أنهم رموز التحديث والمعسكر الصلب في محاربة التخلف ومواجهة القوى المحافظة، ويصبح وصولهم الى مواقع صناعة القرار فاتورة نقول من خلالها اننا دول تؤمن بالاصلاح، واحيانا نختار لهم أو يختارون مفاصل هامة في الدولة تحتاج الى اصلاح، واذا ما تم ابعادهم عن السلطة حملوا حقائبهم الى مراكز صنع القرار في الخارج للاستقواء على اوطانهم.
انهم معارضة مستقوية بدوائر النفوذ في الخارج، واحيانا يمارسون زهدا في المواقع الرسمية، لكنهم يريدون النفوذ الذي يحقق لهم العمل في حقل ما يسمى "الاصلاح". هؤلاء لا يبيعون الطرابيش، وبعض فئاتهم يهبط على بلده المحتل من طائرة جيوش الاحتلال، والبعض لا تربطه بساحته اي علاقة سوى انها ساحة لتلقي الدعم والتمويل، انها بالنسبة له "منطقة حرة" ومصدر رزق.
بعيدا عن السياسة؛ فإنّ بعضنا يبيع الطرابيش حتى في علاقاته مع اطفاله وزوجته. فيسترضي زوجته بكأس من تمر هندي بخمسة قروش او نصف وقية كنافة، وربما يرفع السقف الى "وقية ونصف" كباب، لكن من غادروا بيع الطرابيش هاجروا من التمر الهندي الى العطور والورود والاكسسوارات، وربما رحلات الى دول اوروبا كل حسب قدرته، لكن المهم هو العقلية.
ما زال بعضنا يبيع الطرابيش ويعتقد انها تجارة رابحة، رغم ان آخرين هاجروا وهجروا هذه التجارة الى البضاعة الرائجة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة