وزير الخارجية القطري قدم نصيحة للعالم العربي بان يقبل السلام والتعايش مع الكيان الصهيوني، وان الامة تكفيها الحروب والمعارك، وقال - خلال حديث بقناة الجزيرة القطرية- ان السلام والتعايش هو الحل ومصدر الاستقرار. انها نصيحة من ذهب، يخيل لمن يسمعها ان الامة العربية هي التي تشن حروبا على اسرائيل، وان دبابات العرب "تحتل" جزءا من فلسطين المحتلة، وتمارس القصف للمستوطنات واليهود، وتقتل الاطفال في الملاجئ والبيوت، وان طائرات الامة بما فيها الجيش القطري تشن الغارات على حيفا ويافا وتل ابيب، وان سجون العواصم العربية متخمة بالاسرى والمعتقلين من الجيش الصهيوني والمستوطنين المسلحين!
الامة العربية لم تخض حربا حقيقية طيلة الصراع العربي الصهيوني، فحرب 1948 كانت فيها نوايا حسنة، لكن الامكانات قليلة والاستعمار يحتل الدول العربية، فكيف لدول تحت الاحتلال ان تحرر فلسطين من الانجليز؟ وكيف يمكن للاستعمار الانجليزي، الذي يحكم دولا عربية، ان يسمح لجيوش يقودها بهزيمة مشروعه ويحبط وعدا قطعه بلفور؟
أما عام 1967 فلم تكن حربا، بل استعراضات عربية وقرارات غير متزنة، من اغلاق مضائق تيران وطرد القوات الدولية وخطابات وهدير عبر الاذاعات، فهذه الاجواء لم تكن كفيلة لسلاح الجو المصري بتوقع عدوان عليه، فتحطمت الطائرات في اماكنها، وكسرت شوكة الجيوش، لتكون الامة امام استنتاجين؛ اما ان من قاموا بالتهديدات كانوا بلا خبرة، وكانوا يفترضون ان هذا الضجيج بلا ثمن، او ان هناك تواطؤا من البعض دفعت الامة مقابله كرامتها وارضها.
وفي عام 1973 خاضت الجيوش حروبا بصدق وأدت واجبها، لكن السياسيين كانوا في واد اخر. ربما على من لم يدرك التفاصيل ان يقرأ ما كتبه بعض قادة ثورة "23" يوليو عن تلك الحرب، وكانت النتيجة انها فتحت ابواب المعاهدات والحلول المنفردة، وكأن مصر كانت تحتاج الى حركة ذات طابع عسكري لتتخلص من اثار 1967، ولتدخل بعدها عملية السلام منتصرة.
هذا على صعيد الحروب الرسمية، التي نرى نتائجها حتى الان: اراضي محتلة، وشعوبا مشردة، واخرها العراق الذي تم احتلاله وادارة جزء من العدوان عليه من اكبر قاعدة عسكرية اميركية في المنطقة والموجودة في قطر.
ولبنان الذي يتعرض للعدوان اليوم تعرض لاحتلال غاشم واجتياح عام 1982 وصمت الجميع واقربهم اليه الدولة الثورية التي وصلت جيوش الاحتلال الى بعد بضع عشرات من الكيلو مترات منها، لكنها مارست اقصى درجات ضبط النفس والحكمة! فعاثت اسرائيل بلبنان قتلا واجراما وفككت الدولة، وقامت بكل ما تريد رغم ان جيشا عربيا لنظام ثوري كان موجودا داخل الارض اللبنانية، لكن قراره بالحرب كان بانتظار حدوث التوازن الاستراتيجي مع العدو!
ليست الامة العربية هي المطالبة بالسلام وتبني خيار التعايش، بل العدو الذي لم تتوقف الة القتل عنده عن العمل. فالسلام اكبر ما قدمه ياسر عرفات، الذي الغى الميثاق ووقع على اوسلو الظالمة للشعب الفلسطيني، فكانت خاتمة سنواته معتقلا في مقره حتى الممات. واليوم يتعرض لبنان لكل ما شاهده العالم من مجازر، ليس لان حزب الله اسر جنديين بل لان اسرائيل كيان قائم على الخوف والقلق ولا يأمن الا كلما قتل ودمر وارتكب المجازر لاعتقاده ان زراعة الرعب عند الآخرين يصنع له الأمان.
مشكلة المنطقة ليست في رفض العرب للسلام، بل في الطرف الآخر الذي يبحث عن حلول لمشكلاته، وليس لاعادة الحقوق او بعضها الى اهلها، ولو اجمعت كل الامة من المحيط الى الخليج على التوقيع على معاهدة جماعية مع اسرائيل وممارسة التطبيع معها فلن تحل المشكلة؛ لان الكيان الصهيوني يريد اخضاع الجميع لهيمنته واعادة صياغة عقول اطفالنا، وتصريحات السياسيين وبرامج الإعلام، ولا يمانع لو صدرت خطبة جمعة موحدة لكل مساجد العرب والمسلمين من وزارة الاديان الصهيونية.
نصيحة الوزير القطري للأمة بالذهاب للسلام او التعايش جاءت في اليوم نفسه الذي نفت فيه حكومته علمها بأن اميريكا تزود اسرائيل بالاسلحة التي تدمر لبنان من القاعدة الاميركية الموجودة في قطر. نصدق النفي القطري لان اميركا لا تستأذن "المعازيب" اذا ما ارادت نقل اسلحة من بلادهم الى تل ابيب، تماما مثلما لم تستأذنهم عندما كانت تدمر العراق انطلاقا من الاماكن ذاتها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة