كلنا ينتقد الموقف العربي الرسمي ونَصفُه بالعجز والضعف وأنه لا يقدم ما يجب للقضايا العربية الكبرى، ونذهب في نقدنا حتى الجامعة العربية التي هي نتاج ومحصلة للواقع العربي الصعب.
هذا النقد صحيح وسليم، لكن ربما علينا ان نضيف إليه ان هذا العجز ممتد ايضاً في اوصال القوى والهيئات الشعبية العربية، فكلنا عاجزون، وجميعنا قوى رسمية وشعبية عربية تمارس الامر ذاته وبالأدوات نفسها تقريباً مع فارق السلطات. فالمسؤول الرسمي يخرج ببيان او تصريح او مقابلة يندد فيها بالعدوان على فلسطين ولبنان، وينتقد السياسة الاميركية ويراه الناس بربطة العنق والبذلة الرسمية، وقادة القوى والحركات الشعبية يصعدون منصات المهرجانات الخطابية والندوات، ويتصدرون المسيرات والاعتصامات وهم يلبسون البذلات وربطات العنق يهتفون ضد اميركا واسرائيل، بل ان القيادات الشعبية التي تظهر في الصور في الصف الاول لا تهتف والهتاف للجماهير، ويعود المسؤول الى بيته، وكذلك قادة العمل الشعبي منهكين من التنديد، وربما تأتي بعض الهواتف من الاصدقاء والمجاملين بأن كلمتك كانت قوية في المهرجان، ولتهنئته لشتمه الانظمة، ويعيش نشوة ثم ينظر الى زوجته "زبطي العشا".
نقوم جميعاً بالأعمال ذاتها، مع اختلاف الاكسسوارات، لاننا جميعاً ننطلق من عقلية رفع العتب، وحتى نجد ما نرد به على الاتهامات، نبحث جميعاً عن طرف نشتمه، والحمد لله ان هناك اميركا واسرائيل، لكننا جميعاً نتحرك بالمنهجية ذاتها، فقد شنت اميركا عدواناً على العراق عام 2003، وهو عدوان كان متوقعاً ومنتظراً، رفضته بعض الانظمة العربية وشاركت فيه اخرى، لكن ماذا فعلت الهيئات الشعبية من المحيط الى الخليج اكثر من الشتم والادانة! التصدي للعدوان لم يصل الى حدود التفكير العملي، بل البحث عن تراخيص للمسيرات، ونسمع من هذه القوى انها تدعم المقاومة، لكنه حديث بلا مضمون.
في الازمة الحالية، حيث العدوان على لبنان، هنالك عجز رسمي عربي وهذا لا خلاف عليه، لكن ماذا عن الهيئات والفوى الشعبية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار! افلا تعاني من عجز يماثل عجز النظام العربي، بل ان بعضها لم يقدم (شلن) للشعب اللبناني والمقاومة اللبنانية، وبعضها يفعل ما تفعله بعض الانظمة من تقديم مساعدات انسانية، كلنا ندعو لدعم لبنان، لكن كيف ومن ندعو ومتى سيتم هذا، فكل هذه اسئلة بلا اجابات.
الحكومات العربية تجتمع وتصدر مواقف سياسية منددة بالعدوان الصهيوني, ونحن الشعوب نتظاهر ونجتمع في القاعات نشتم اميركا واسرائيل والعجز العربي. مشكلة لقاءات القمة في بنيتها وتقطع أوصالها وعدم امتلاكها لأي ادوات تأثير، فالحكومات لا تملك ادوات للتأثير وكذلك القوى الشعبية. انه عجز في جسد الامة كله، لكن الفرق ان هنالك فرصة لنا كشعوب لشتم عجز الانظمة باعتبارها صاحبة صلاحية.
بعض الجماهير تطالب بفتح الحدود مع اسرائيل، وتفعل هذا بعفوية وصدق، لكن ماذا عن الحدود التي كانت مفتوحة مع العراق، او المفتوحة مع لبنان! فمن يمنع القوى الشعبية الكبرى من استغلالها! ام هي المبررات السياسية ذاتها تتحدث بها الانظمة وتمارسها القوى الشعبية دون ان تتبناها. والمفارقة ان نظاماً عربياً ثورياً قام احد كبار مسؤوليه ايام الانتفاضة الثانية بالمطالبة بفتح الحدود العربية مع اسرائيل مع ان لبلاده ارضاً محتلة وحدوداً مغلقة لم تصدر منها طلقة منذ اكثر من ثلاثين عاماً. واليوم نسمع من تلك الدولة ادانة وحتى الاتهامات بالخيانة للأنظمة الاخرى مع ان جيشها وحدودها صامتة في مواجهة العدوان على لبنان.
كلنا عاجزون انظمة وشعوباً، فقدنا القدرة على التأثير والفعل، ونفرغ طاقاتنا في المسيرات والمهرجانات والتصريحات والمساعدات الانسانية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة