لعل الاشقاء اللبنانيين من اكثر الشعوب ادراكا لمفهوم الوطن وقيمة الدولة والسيادة والأمن، ولهذا فخلاصة تجربتهم المريرة مع العدوان الخارجي وانتهاك السيادة والعبث بها، من بعض غير الاعداء والحرب الأهلية، خلاصة هذه التجربة تجعل من بعض ما يقوله اهل الفكر والتجربة منهم قيمة تقترب من مستوى الحكمة، حتى وان كانت تقال من غيرهم احيانا.
غسان تويني المفكر والدبلوماسي العريق، في احدى حواراته مع احدى الفضائيات اللبنانية، قال كلاما مما يستحق الايمان به حول العلاقة بين الانسان ووطنه. تويني قال: ان الوطن ليس مثل الفندق نستبدله بحثا عن فندق اخر بخدمات افضل او سعر اقل، وان على الانسان ان يصنع وطنه، لا ان يطلب وطنا وفق مواصفاته وشروطه، وهنا لا يتحدث عن علاقة بين المواطن والحكومة، وما يمكن ان يقبل او يرفض من سياساتها واجراءاتها، بل عن العلاقة مع الوطن بالتعبير الوجداني والدولة بالمفهوم السياسي والدستوري.
والحديث ايضا ليس حول حق المواطن في الحصول على حقوقه في دولته، بل عن الرابط والعلاقة الفطرية الصادقة مع الوطن والدولة. فالوطن لا يتم التعامل معه وفق لائحة الطلبات والاسعار التي توزع في الفنادق والمطاعم، حيث سعر كل وجبة او صنف مقابله، فما يقدمه الوطن يدفع مقابله المواطن ثمنا، واذا كان كريما يمكن ان يدفع "البخشيش" لموظفي المطعم.
وليس من صفات المواطنة ان يتحدث الانسان عما يقدمه بلغة المنّ. فإذا كان تاجرا تحدث عما يدفع من ضرائب، وان كان مغتربا اعتبر تحويلاته ثمنا وجزءا من لغة الحديث مع الدولة، وليس الحكومة، وان كان موظفا او قدم واجبا ودورا في البناء بقي يتحدث مثل عامل البناء الذي ينتظر من صاحب العمارة شايا ودخانا وغداء واجرة اليوم.
الاوطان ليست فنادق، والمواطنة ليست خدمات، والعلاقة بين اي انسان ووطنه ودولته ليست علاقة نزيل يغضب من نوعية السرير، او الطعام او الكوي وتنظيف الغرف فيقطع العلاقة، ويبحث عن فندق جديد. ولهذا ففي اللغة العربية يسمى الفندق نُزلا، اي ينزل فيه الشخص لفترة ويغادره بعد انتهاء الحاجة إليه.
هذه الحكمة من رجل السياسة اللبناني المخضرم غسان تويني لا يقولها وهو يعيش في سويسرا او في بلد مستقر آمن، بل في لبنان الذي يعيش تحت القصف والتدمير والعدوان منذ شهر تقريبا، لبنان الذي استنزفته حرب أهلية حوالي (15 ) عاما تخللها اجتياح واحتلال صهيوني وهيمنة خارجية على الامن والاقتصاد، وحتى على اختام الجوازات للداخلين والمغادرين. ربما يريد ان يقول لمن ينعمون بأوطان آمنة مستقرة، ودول ذات سيادة ان عليهم ان يشعروا بما هم فيه، وان الاولوية لبناء علاقة صادقة بينهم وبين أوطانهم لا تقوم على تبادل الخدمة بالانتماء، ولا تخضع لقائمة اسعار لما يجب ان يقدم الوطن لنا، حتى نكون مؤمنين به وصادقين معه في مواقفنا وعواطفنا.
الوطن - اي وطن- مثل الأب. فالانسان لا يرفض أباه اذا كان ضعيفا او مريضا ويستبدله بآخر، وليس الأب أبا اذا كان قويا ثريا اما اذا تغيرت احواله فنستبدله، ولا نرفضه اذا عاملنا بشيء من القسوة، فهذا القفز من أب لآخر لا يمارسه، الا من يسميه المجتمع "ابن الحرام".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة