اثارت الحركة الاسلامية اهتمام الاوساط السياسية عندما أعلنت انها ستراجع موقفها من المشاركة في مجلس النواب، وهو امر فهمته الاوساط السياسية على انه يشمل فكرة الاستقالة من مجلس النواب الحالي اضافة الى عدم المشاركة في الانتخابات النيابية القادمة والتي من المفترض دستورياً، انها ستجرى في حزيران القادم.
المنطق الذي يستند اليه الاسلاميون في هذه المراجعة انهم يتعرضون الى استهداف من قبل الحكومة ومنه قضية النواب الاربعة التي تحولت الى حكم اولي بحق اثنين بانتظار التمييز، ومراجعة المشاركة في العمل البرلماني نوع من التهديد بالانسحاب من احدى المؤسسات السياسية الهامة. لكن الحركة ارادت استخدام هذا السلاح السياسي السلمي على دفعات، فكانت الرسالة الاولى بأن استقالة نوابها من المجلس الحالي مرهونة بما سيصدر عن محكمة التمييز، فإذا تم تثبيت الحكم ولم ينقض او كان التخفيف غير مؤثر، فإن الرد هو الاستقالة التي ستعني احتجاجاً ورفضاً للسياسات الحكومية تجاه الحركة، كما انها تعني ادخال الحكومة في ارباك سياسي، فالاستقالة اذا قبلت ستفرض اجراء انتخابات تكميلية في اخر عدة شهور من عمر المجلس، او قد تجعل خيار صاحب القرار حل المجلس، واذا لم يتم قبولها فإن الضجة السياسية التي ستتركها ستكون مربكة للحكومة وستكون رسالة شعبية من الاسلاميين لقواعدهم الجماهيرية والتنظيمية، والمحصلة كما تراها الحركة تحرك سياسي سلمي واحتجاج مؤثر على سياسة الحكومة تجاهها.
لكن ما هو اكثر اهمية لدى الاوساط السياسية ما تم فهمه من ان المراجعة التي تحدثت عنها الحركة ستشمل المشاركة في الانتخابات القادمة اي العودة الى تجربة سابقة كانت عام 1997 حين أعلنت الحركة مقاطعتها الانتخابات النيابية احتجاجاً على مجموعة مواقف وتشريعات، تلك المرحلة مرت وسجلت الحركة موقفها لكنها فقدت حضورها في العمل البرلماني لمدة ست سنوات هي عمر المجلس السابق، وسنتان من الحياة دون مجلس نواب نتيجة التأجيل.
ولعل الكثير من القوى السياسية والشخصيات تتمنى ان تصل الى معلومة حول القرار النهائي للحركة، لانها تعتقد ان المقاطعة ستقدم لها فرصة كبيرة لدخول البرلمان حيث ستغيب المنافسة القوية في دوائر كثيرة، وربما يتخيل البعض ان المقاطعة حدثت وشعروا بالفرح تماماً مثل الفرح والنشوة التي عاشتها بعض الاحزاب عام 1997، لكن تلك القوى لم تشغل الفراغ، ولم تحقق ما تخيلته، بل تعرضت الى انتكاسات واضحة.
واذا استثنينا طبقات السياسيين او الطامحين فإن اهتمام عامة الناس وقناعتهم بالعمل النيابي وتأثيره يتضاءل مجلسا بعد اخر، واذا انتقلنا الى داخل قواعد الاحزاب، ومنها الحركة الاسلامية، فإنها قد تكون اقرب الى فكرة المقاطعة للانتخابات وحتى الانسحاب من المجلس الحالي، وتستند الى اسباب ورؤى عديدة؛ لكن ما جرى مؤخراً من ازمة بين الحكومة والاخوان قد يزيد القناعة بعدم جدوى المشاركة، وبخاصة ان جزءاً من الازمة كان قضية النواب.
بيان مجلس شورى الاخوان الذي صدر قبل ايام فيه تفويض للمكتب التنفيذي للجماعة لاتخاذ القرار المناسب على ضوء قرار محكمة التمييز، اي ان هناك موافقة مبدئية من مجلس الشورى على هذه التوجه، وانه اعطى المكتب التنفيذي الحق في اتخاذ القرار على ضوء المستجدات، وربما فهمه البعض على انه قرار تم اتخاذه بشروط، اي ان الحركة قطعت نصف الطريق نحو الانسحاب الذي سيكون ارضية للمقاطعة. واستناداً الى قناعات الحركة الاسلامية بأنها تتعرض لاستهداف ومحاولات تحجيم؛ فهل تجد السلطة التنفيذية نفسها امام فرصة لغياب طوعي من الاسلاميين عن المجلس النيابي القادم؟ هذا الغياب يريح الحكومة من التفكير بنتائج الانتخابات القادمة، وتحليل الحجم الذي ستخوض به الحركة هذه الانتخابات، وبخاصة بعد ما قرأت بعض الاوساط الرسمية نتائج انتخابات السلطة الفلسطينية ومصر على انها ستزيد من شهية الاسلاميين لتوسيع المشاركة.
هذا الغياب الإسلامي الطوعي المفترض له ثمن سياسي واعلامي ستدفعه الحكومة، لكن هل هذا الثمن اقل ام اكثر من التخلص (الديمقراطي) من وجود الاسلاميين في المجلس القادم؟ وهل تحتاج الدولة الى وجود الاسلاميين وفق النسبة الحالية، وتفضله على مجلس بلا اسلاميين؟ هذه التساؤلات مطروحة للنقاش والبحث عن اجابات ليس لدى الحكومة فقط، بل لدى الحركة ايضاً.
فمن حق الاسلاميين ان يمارسوا خياراتهم في المشاركة او المقاطعة، ومن الطبيعي ان تحاول الحركة بعث الرسائل للحكومة واستخدام ما لديها من اوراق، لكن ما يجب التأكيد عليه ان محكمة التمييز، كجزء من السلطة القضائية، ليست من سيحدد موقف الحكومة او الاسلاميين، ويفترض بنا جميعاً ان نبعدها عن القضايا السياسية حفاظاً على استقلاليتها وايماناً بنزاهتها.
ايا ما كان قرار محكمة التمييز فإنه ليس سلاحاً في علاقة "الإخوان" بالحكومة، وليس مبرراً او منطلقاً لقرار الحركة في مواجهة الحكومة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة