بعد توقف الأعمال العسكرية وبدء تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي (1701) بدأت الساحة الداخلية الاسرائيلية تشهد جدلا ونقاشات وأحاديث عن لجان تحقيق، وبدأت المعارضة اليمينية تحاول فتح جبهة نقد باتجاه حكومة اولمرت، والبعض بدأ يتحدث عن حكومة وحدة وطنية. في مقابل هذه الصورة هنالك قناعة وتصريحات لبنانية سواء من الجكومة او حزب الله وسورية وإيران بأن هذا القرار ظالم، وأنه حقق لإسرائيل مكاسب سياسية اكبر من انجازها العسكري.
لعل من اهم هذه المكاسب الحصول على موافقة دولية ولبنانية بإخراج حزب الله من الجنوب، وهذا يعني افقاد سلاح المقاومة شرعيته؛ لأنه حتى لو بقي في ايدي مقاتلي الحزب فإنه سيواجه اسئلة لبنانية حول ضرورته وهو في بيروت، وهو جدل قديم كان جزءا من الحوار الوطني اللبناني قبل العدوان.
وإذا عدنا الي الساحة الداخلية الصهيونية؛ فإنّ الحراك الداخلي يعود الى اسباب عديدة منها:
1- ان اسرائيل لم تحقق نصرا بالسرعة والطريقة التي اعتادت عليها في معاركها السابقة. فقد اجبرتها صلابة المقاومة وقوتها ان تستعمل الكثير من اشكال القوة والسلاح والقصف والجنود، ولهذا يشعر الاسرائيليون انهم اقل مما توقعوا، وأن من المفترض، يُنجز ما تمّ بوقت اقل وخسائر ادنى مما حدث.
2- عدوان اسرائيل لم يكتمل مساره الا بالاستعانة الكاملة بنفوذ الولايات المتحدة. فقد لعبت الادارة الاميركية دورا كبيرا ومماطلا في عدم صدور اي قرار لوقف اطلاق النار، وعملت على اضفاء ما امكنها من الشرعية على العدوان الاسرائيلي، وعندما آن الأوان لقرار سياسي كانت الادارة الاميركية الحليف الصادق الذي ساهم بإخراج قرار من مجلس الامن قدم لإسرائيل خدمة كبيرة في تحقيق ما ارادت من العدوان.
وساعد اسرائيل على تمرير هذا القرار الدولي حجم الخسائر التي لحقت بلبنان وشعبه ومئات الآلاف من النازحين والتدمير الذي لحق بالبنية التحتية. اضافة الى الاذى العسكري الذي لحق بقوات حزب الله وأسلحته، والتي يمارس الحزب تكتما عليها لمبررات امنية مشروعة.
3- سبب من اسباب الحراك الداخلي الاسرائيلي الأذى والقلق والخوف الذي اجتاح المجتمع الاسرائيلي نتيجة صواريخ المقاومة اللبنانية، رغم ان ارقام القتلى والجرحى من سكان المستوطنات والمدن قليل نسبة إلى عدد الصواريخ التي تجاوزت (4) آلاف صاروخ، الا ان حجم القلق والخوف وغياب الاستقرار كان كبيراً، وهذا ما لم يعتد عليه المجتمع الصهيوني.
4- من الاسباب الهامة بل ربما الأهم طبيعة الساحة السياسية الاسرائيلية التي تمتاز بالديناميكية، من حيث وجود قوى معارضة قوية، وقدرات داخلية في النقد والمحاسبة، وهذه المحاسبة تبدأ من الاخطاء الصغيرة حتى الهزيمة الكبرى. لهذا فإن هذا الحراك جزء من معادلات السياسة الداخلية، ومحاولات تصيد الاخطاء من المعارضة للحكومة.
ورغم عدائنا العميق لهذا الكيان المحتل الا ان حساسية ساحته السياسية للأخطاء والتقصير تسجل له. بينما تقتصر حساسية الساحات العربية على مدربي كرة القدم فما ان يهزم الفريق حتى يتم عزل المدرب، اما الهزائم العسكرية والسياسية والاقتصادية، والنكسات والنكبات فإنها لا تحرك ساكناً في بنية النظام العربي. فلا يحدث الا في بلادنا العربية ان تخرج الجماهير تطالب ببقاء قادة صنعوا الهزيمة وضيعوا الأرض، ولم نسمع عن محاسبة حتى لوزير لاحقه الفشل.
جيش الاحتلال الصهيوني تعذب كثيراً في عدوانه الاخير. وحققت له السياسة وقرار مجلس الأمن ما لم يحققه عسكرياً. وباعتراف سوري ايراني ومن حزب الله فإن قرار (1701) ظالم للطرف اللبناني ومنحاز لصالح اسرائيل، ومع ذلك فإن هذا الكيان يمارس حراكاً سياسياً لمحاسبة المقصرين وشكّل لجنة تحقيق، لكن هذه الامة اما ان تبرر هزائمها او تضخم انجازات صغيرة. اما المقصر فإنه في عالمنا العربي لا يدفع ثمن تقصيره، ودائماً لدين حجة وهي تفويت الفرصة على عدو والتوحد ضد العدو، وكأن اسرائيل التي تحاسب نفسها ليس لها عدو، لهذا تتعاظم هزائمنا ويتعمق تفوق العدو.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة