مقولة قديمة جديدة يتم استدعاؤها مع كل ازمة بين الحكومة والحركة الاسلامية وهي؛ "اذا استمر الضغط عليها او التضييق عليها كتيار وسطي فإنها قد تضطر للعمل السري او كما يقال العمل تحت الارض".
أصل هذه المقولة محاولة اقناع الحكومات بأن المصلحة تتمثل بالمحافظة على العمل الاسلامي الوسطي ومنحه فرصة العمل تحت الشمس وفق القانون والدستور، واستعملها البعض بما يشبه التهديد بأن خيار الازمات سيدفع بالحركة الى التشدد والخروج عن خطها والتحول الى تنظيم سري.
مثل هذه المقولة لا تخدم الاخوان بالضرورة، بل قد تؤدي الى نتائج عكسية احيانا، بخاصة اذا صدرت ممن يعتد بكلامهم. فالعمل السري له مفهوم وطبيعة وادوار، فيتحول التنظيم الى عالم مجهول، تنظيم لا يمكنه ممارسة نشاطاته السلمية والسياسية، ولهذا يستبدلها بنشاطات اخرى قد لا تكون سلمية. والعمل تحت الارض قد يفهمه خصوم الحركة على انه تغيير في منهج العمل من نشاطات سياسية ونقابية وطلابية واصلاح سلمي الى منهج اخر، ربما يعني ايضا تغيير النظرة للدولة والدستور والقانون.
التلويح بخيار العمل تحت الارض، الذي يطرحه البعض بحسن نوايا ولتعزيز حالة الحوار، لا يخدم الحركة وبخاصة في الازمة الحالية، ويؤصل ازمة الثقة وقناعة اوساط رسمية بأن في بنية الحركة تحولات اخرجتها عن خطها التاريخي. وسواء قبلنا او رفضنا هذه القناعات فإنها مؤثرة في ادارة العلاقة في هذه المرحلة، وستجد من يفسر هذا التلويح او التحذير بأنه مرحلة قادمة. فمن يتحدث عن العمل السري وتحت الارض يفترض نظريا ان لديه الاستعدادات او البنية التحتية للتحول من العمل القانوني العلني الى السري، وما يرافق هذا من تحول في المفاهيم ومنهج التغيير والوسائل.
فالتنظيمات السرية لا تخوص انتخابات بلدية او تنظم اسبوعا ثقافيا. اذا كان المطلوب الدفاع عن وجود الحركة وضرورة الاحتكام الى الحوار والتفاهم معها يمكن القول انها حركة ممتدة في المجتمع، ولها تاريخ وحضور وعلاقات ورموز، وهذا ما يجعلها غير ممكنة الاجتثاث، او التأكيد على ضرورة الحفاظ على اصول العلاقة تحت مظلة الدستور والقانون، فهذا المنطق يحقق الهدف ذاته. لكن التهديد او التلويح بخيار العمل السري يزيد قناعات معينة بأن الحركة لديها ما تخفيه تحت الطاولة. وسنجد من يعتقدون أن الاعتدال لدى الحركة اصبح قشرة على سطح الحركة وتحته جسم يميل للتشدد.
ثمة مساحة للحركة الاسلامية تتحرك فيها وتدير المرحلة الحالية ابتداء من رفع مستوى مشاركتها في مجالات العمل السياسي والعام الى حدود الانسحاب الكلي او الجزئي من العمل السياسي، وفي مقدمته البرلمان، مرورا بالوسائل الوسيطة من استقالة من المجلس الحالي او مقاطعة الدورة الاستثنائية الى غيرها من الوسائل الدستورية. لكن الكثير من اصدقاء الحركة والمؤمنين بدورها يدعونها الى المحافظة على مسارها التاريخي. فالازمة الحالية، رغم اختلافها عن سابقاتها، فيها رسالة تستدعي التوقف عندها، فبينما يتم اصدار حكم قضائي على اثنين من النواب تحظى الحركة بما لم يحظ به اي حزب اخر من تمثيل في هيئة كلنا الاردن حيث يمثلها ثلاثة اعضاء، فيما تم تجاهل كل الاحزاب الاردنية الاخرى، وبينما تصل العلاقة مع بعض القيادات الى درجة السخونة السلبية، هنالك ود وعلاقات دافئة مع قيادات ورموز أخرى، ليس لأن هؤلاء اقل اخلاصا للحركة من غيرهم، بل لاسباب ترتبط بقناعات تحكم العديد من مفاتيح الازمة الحالية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة