قبل فترة، اشرت في هذا المكان الى ظاهرة سلبية، هي اطلاق الالعاب النارية في ساعات متأخرة جدا من الليل، وبشكل يفزع الناس والاطفال في بيوتهم، ولا سيما ان بعض هذه الالعاب ذات صوت مرتفع ومزعج جدا، ويتم إطلاقها بعد منتصف الليل!
محافظ العاصمة، د. سعد الوادي، اصدر قبل اسبوعين تقريبا تعليمات الى مديريات الامن بمراقبة هذه الظاهرة، والزام المواطنين بعدم اطلاق هذه الالعاب النارية بعد العاشرة مساء، ووضع تعليمات اخرى. وهذا التعميم استجابة كريمة من المحافظ لشكوى الناس وحقهم في الراحة في بيوتهم، وحفظ ايضا لحق المواطن في الفرح، من دون ان يلحق الاذى بمن حوله او بالمنطقة التي يسكن فيها. لكن الاستجابة تحتاج الى متابعة؛ فعمان مدينة كبيرة مترامية الأطراف. ثم جاء قرار وزير الداخلية الذي عمم التعليمات على كل مدن المملكة.
وبعد نشر المقال السابق، وصلتني عدة رسائل من مواطنين تشير الى مظاهر اخرى للازعاج، منها مثلا ما ذكره مواطن من سكان منطقة الرابية، وهي منطقة ليست شعبية ولا مزدحمة ولا حيا تجاريا. إذ بحسب ما ذكره هذا المواطن، فإن شابا معجبا بفتاة تقطن في عمارة في الحي يكرر المرور كل بضع دقائق ويطلق عدة ابواق، ويقوم بـ"تخميسة" او "تخميستين"! أيضا، تحضر سيدة لاصطحاب صديقتها، ورغم ان كلتيهما تمتلكان هاتفا خلويا، ورغم ان للعمارة "انتركم"، لكن يبدو ان بوق السيارة اصبح اسرع واسهل! في ذات السياق، سائق يحضر لنقل موظفة، فيطلق صباحا عدة ابواق لتنبيهها إلى وصوله! وهناك باص مدرسة يبدأ باطلاق بوقه من بداية الشارع لكي يضمن نزول الطلبة في الوقت المناسب! هذه الملاحظات التي ذكرها القارئ الكريم ليس من مسؤولية الحكومة معالجتها كلها، فجزء منها مرتبط بسلوكنا، ولا يمكن لمحافظ او شرطة ان تتابع كل مواطن.
رسالة اخرى من قارئ كريم يقول فيها: "ما ذنبي انا لأجبر على سماع المفرقعات والالعاب النارية طوال الليل وحتى ساعة متأخرة، لدرجة لا يسمعها اي انسان في الدول التي تعاني من نير الحروب؟! وما ذنبي انا لابقى اعاني في ازمة السير الخانقة في شوارع عمان من اجل ما يسمى "موكب فرح" لأحد الخريجين او أحد العرسان غير الآبهين بمشاغل الناس وراحتهم واوقاتهم، الا يكفي ما نعانيه من ازمات السير واختناق الشوارع واكتظاظها؟!".
كل هذه الملاحظات تذهب باتجاه واحد، وهو اننا نلزم الآخرين بمشاركتنا مناسباتنا قسرا! فأي حق لشخص لينشر سيارات العرس على المسارب الثلاثة لاتوستراد او شارع رئيس، ويمشي الموكب متمهلا لغايات التصوير والتزمير، وعلى كل السيارات ان تعاني من التأخير والازدحام خدمة لعرس هذا الشخص؟!
مرة اخرى، هنالك قضايا يمكن للحكومة ان تضبطها، فتحفظ للناس حقهم في الفرح وللاخرين حقهم في عدم الازعاج او القلق، لكن هناك ممارسات ليست ضمن نطاق قرارات المحافظين او حتى مجلس الامن، بل هي مرتبطة بالقيم والاخلاق، والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة