تراجُع العم سام عن دعوة الإصلاح -التي رافقها خطاب سياسي حرّك المياه الراكدة في العالم العربي- ترك القوى السياسية المصرية المختلفة في منتصف الطريق، بعد أن تجرأت ودفعت بنفسها إلى حلبة الصراع مع النظام، بما يملكه من سطوة أمنية وسياسية. فالمعارضة اليوم بين خيارين أحلاهما مُرّ؛ الأول أن تتراجع خطوات إلى الوراء، ربما ما كانت عليه أو قبله تحوطاً من رد النظام وإظهاراً لحسن النية، والثاني الاستمرار في طريقها مع الكلفة العالية المترتبة على ذلك. ويبدو جلياً -إلى الآن- أنّها مصرة على المضي قدماً في مطالبها ومواقفها، مع قد يجره ذلك من مواجهة سياسية كبيرة.
الضربة الأولى التي تلقتها المعارضة الجديدة كانت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عندما أصّرت جماعة الإخوان على الانفراد عن حركة "كفاية" وباقي القوى السياسية المعارضة. صحيح أنّ الإخوان حققوا لأنفسهم انجازاً كبيراً، وأكدوا أنهم القوة الشعبية الوحيدة في الساحة، لكنهم في المقابل كشفوا ظهر المعارضة المصرية الوليدة، وسحبوا عنها الغطاء الشعبي الذي كانت تتدثر به أمام النظام، فظهرت محدودة صغيرة، غير قادرة على الحشد الكبير ولا على كسب أصوات الجماهير، ما ولّد انتكاسة كبيرة في زخم الحركة الجديدة ذات الطابع المدني.
إلاّ أنّ المردود السلبي لنتائج الانتخابات نال الإخوان أيضاً، إذ ضخّم من فوبيا البديل الإسلامي لدى صناع القرار ومراكز الخبرة في واشنطن، وساهم في تقوية التيار المتخوف من الصعود الإسلامي، بخاصة أنّ الإسلاميين وإن تطوروا في رؤيتهم للديمقراطية إلاّ أن خطابهم المعادي للسياسة الأميركية والتسوية لم يتغيّر من ناحية، وأدى النصر الإخواني، من ناحية أخرى، إلى تحفز النظام للانقضاض على الجماعة قبل أن تتمكن من بسط نفوذها وسيطرتها على مؤسسات وقطاعات أخرى، في ظل انعدام قنوات واضحة وكبيرة من الحوار بين الجانبين.
لم يتأخر كثيراً الرد الرسمي على المرحلة السابقة، وكانت الحملة الكبيرة على نواب الإخوان داخل البرلمان المصري أول الغيث، تلا ذلك جملة اعتقالات واسعة نالت قيادات ومفاتيح في النشاط الإخواني، وبلغت ذروتها باعتقال خيرت الشاطر، أحد أبرز قيادات الإخوان، والذي يتهمه النظام بإدارة الثروة المالية الإخوانية. ويبدو أنّ مسلسل تحجيم الإخوان مستمر وفق استراتيجية متكاملة، تشمل التعديلات الدستورية والحملة السياسية والأمنية والأنشطة الاقتصادية.
الهجوم الرسمي لا يقف عند جماعة الإخوان، إذ تشير صحيفة "المصريون" الالكترونية المصرية إلى أنّ هنالك توجها لدى وزارة التضامن الاجتماعي للانقضاض على نادي القضاة، الذي نشط في الفترة الأخيرة في المعارضة، وعشرات الجمعيات بحجة مخالفة القانون، سعياً لإعادة هيكلتها وتقليص نشاطها المناهض. كما تمّ اعتقال ممدوح اسماعيل المحامي المصري الناشط في الدفاع عن الإسلاميين.
لا تكمن مشكلة النظام في صعود المعارضة بدرجة رئيسة، بل بشيخوخته وهرمه وعدم قدرته على التطور والتكيف مع التطورات المتلاحقة، على الرغم من محاولات نجل الرئيس، جمال مبارك، المتتالية تطعيمه بدماء جديدة من الأكاديميين والمثقفين الشباب، إلاّ أنّ مستوى المرض والخلل يبدو أكبر من ذلك، ما دفع جمال مبارك إلى التفكير بإنشاء حزب جديد (حزب المستقبل)، قبل أن يتراجع بعد اعتراضات من جهات "سيادية" في الدولة اعتبرت أنّ هذا سيؤدي إلى تفكك الحزب الوطني وارتباك سياسي.
هرم النظام بادٍ للعيان، وأزمة الشرعية تتجلى بوضوح من خلال مؤشرات عديدة أبرزها الضعف الشديد في الإقبال على الاستفتاء على التعديلات الدستورية، على الرغم من الدعاية الرسمية والحشد الكبير الذي صاحب الحدث. كما تبدو أزمة النظام في العسر الشديد في هضم المجتمع والطبقة السياسية المصرية لعملية انتقال السلطة والتوريث، التي تلاقي معارضة شديدة، وتطرح تساؤلات مفتوحة حول المستقبل السياسي بأسره، في ظل حالة من الاحتقان الاجتماعي الشديد جراء تجذر الفقر والبطالة وعجز الدولة والقطاع الخاص على السواء عن تأمين فرص عمل مقابل اتساع دائرة الحرمان والجوع والفجوة الطبقية، ما حدا بالرئيس مبارك إلى رفض أي مقترحات حول رفع أسعار الخبز، معتبراً أنّ ذلك سيؤدي إلى ثورة شعبية.
الأزمة الداخلية بأبعادها المختلفة تلقي بظلال واسعة وكبيرة على الدور المصري الإقليمي وهو ما ظهر بوضوح خلال الفترة الأخيرة بانتقال مركز الحركة والثقل الأساسي في إدارة الملفات العربية إلى السعودية، سواء كان ذلك في الملف الفلسطيني أو العراقي أو الإيراني أو حتى السوداني الذي كان تقليدياً مرتبطاً بالأمن القومي المصري.
الخريف المصري يمكن ملاحظته بوضوح هذه الأيام على المستويات كافة، لكن السؤال الرئيس: إلى أي مدى سيبلغ هذا الخريف؟ وإلى أين سيؤدي؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد