تشكل ظاهرة المؤتمرات أمراً ملفتاً في كثير من العواصم العربية في الآونة الأخيرة، فلا تكاد تمر أيام قليلة حتى يعقد مؤتمر بهذه المدينة أو تلك، بعناوين ودعوات متعددة، غالباً ما تتشابه في الموضوع المطروح، وربما تحدث حالة من الخلط للمتابع فلا يميز بينها. ولا تخرج عمان عن هذه الظاهرة، إذ تعد حالياً من أكثر العواصم العربية التي تستضيف مؤتمرات تنظمها مؤسسات رسمية أو خاصة أو يتم اختيارها لتعقد فيها مؤتمرات إقليمية. 
من خلال رصد أكثر العناوين التي تطرح في هذه المؤتمرات يبدو التركيز حالياً على موضوعتين رئيستين: إما الإصلاح السياسي أو الخطاب الإسلامي ومحاربة الإرهاب والاعتدال..الخ. في هذا السياق ثمة سؤال صريح ومباشر عن جدوى هذه المؤتمرات ومخرجاتها وعن الأموال الهائلة التي تنفق عليها سواء كانت من الدعم الحكومي أو الخاص.
الملفت بحق في أكثر هذه المؤتمرات أنّه لا يُلمس أيُّ أثر لها في الحياة العامة - ولا أقصد طبعاً أثراً مباشراً ورئيساً- إذ تبدو المخرجات أقرب إلى العدمية، فهي في واد والمجتمع والناس في واد آخر، لا أحد يسمع عنها أو يأبه بها، وكأن هذه المؤتمرات بمثابة مجموعة من الأشخاص تتحدث لنفسها مع حضور محدود، أو معدوم في كثير من الأحيان، لا تتضمن حواراً مجتمعياً حقيقياًَ مؤثراً. وفي أحيان كثيرة يكون الأشخاص أنفسهم في كثير من المؤتمرات يكررون الكلام ذاته، وينتقلون من مؤتمر إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، يحظون بإقامة في الفنادق الفاخرة وزبارة عواصم مختلفة.
المفارقة المدهشة هي أن تقوم بعض المؤتمرات على مناقشات وحوارات حول قوى سياسية (كالإسلاميين) بينما تغيب هذه القوى، المعنية في النقاش بدرجة رئيسة، إما لأنها غير مدعوة أو أنها ترفض المشاركة لأسباب أيديولوجية.
ظاهرة انتشار المؤتمرات هي ظاهرة صحية في حال توافر أحد شرطين، الأول أن تكون انعكاساً لنشاط علمي وثقافي ملموس وتكريس له، وهو بالتأكيد ما لا ينطبق على هذه المؤتمرات التي تغيب عنها الأبحاث والجهود العلمية الجادة وتكتفي بوجهات نظر ومواقف، وربما انطباعات غير علمية.
أمّا الشرط الثاني فهو أن يكون للمؤتمرات أثر واقعي وعملي يساعد في معالجة أزمة أو مشكلة أو بناء إطار منهجي لمواجهتها، وهذا أيضاً لا ينطبق على هذه المؤتمرات، على الرغم من الشبكات والمجموعات والأطر التي تفرزها، إذ تبقى ذات طابع نخبوي بعيدة عن المجتمع، غير قادرة على مخاطبة الناس، فضلاً أنها تتكون في كثير من الأحيان من نخب معزولة فقدت القدرة في التأثير على الشارع، فلجأت للتعويض عن ذلك بحضور هذه المؤتمرات.
على الصعيد المحلي، لو رصدنا ما أنفقته مؤسسات الدولة على دعم مؤتمرات وملتقيات من هذا القبيل فهي على أقل تقدير مئات الآلاف سنوياً. أكثر هذه المؤتمرات، التي عقدت في الآونة الأخيرة، كانت عن مكافحة الإرهاب ورسالة عمان والخطاب الإسلامي المعتدل..الخ. والهدف من دعم هذه المؤتمرات تمثّل بمواجهة التطرف والإرهاب والفكر الداعم له، لكن المحصول يساوي صفراً! أولاً لأنها مؤتمرات نخبوية يشارك فيها مثقفون وسياسيون، بعيداً عن المجتمع والناس، دون أن يصل صوتهم إلى الفئات المطلوبة، ثانياً لأن هذه المؤتمرات لا تناقش عملياً الأسباب المؤدية إلى الإرهاب والتطرف ولا تقدم توصيات جادّة لمواجهة هذه الظاهرة، وتكتفي بالإدانة أو الحديث الممجوج المبتذل عن الاعتدال والوسطية. في المقابل فإنّ المؤسسات الرسمية لا تقرأ توصيات أو بيانات هذه المؤتمرات، ولا تستفيد منها ولو بحبة خردل!
لو أنّ الأموال التي تنفقها الدولة على المؤتمرات - أو تلك التي توفرها مؤسسات دولية معنية بالإصلاح أو مكافحة الإرهاب- وضعت في دعم مشاريع إنتاجية في مناطق فقيرة تساعد الشباب العاطل عن العمل أو الأسر الفقيرة وتخلق ثقافة إنتاجية وعملية جديدة داخل المجتمع لكانت أجدى وأنفع بمئات المرات من انفاقها على الفنادق والطعام و"نخب المؤتمرات"! ولو أنها أنفقت على تنفيذ استراتيجية وزارة الثقافة - المعطلة بسبب جفاف الدعم المالي، والتي تقوم على أنشاء المكتبات والكتب وتحفيز القراءة والمشاريع الثقافية- لكان أجدى في بناء جيل محصن بالمعرفة من الإرهاب، وأكثر أهلية للمساهمة في عملية الإصلاح.
الإرهاب – أولاً وأخيراً- هو مولود شرعي للظروف الااقتصادية والاجتماعية البائسة والحالة السياسية المترهلة وهو – كذلك- نتاج ضعف الثقافة العقلانية الموضوعية، وعلاجه لا يكون بالضحك على الذقون في مؤتمرات بائسة، تهدر الأموال والجهود وتبعد القضية عن مجال نقاشها الحقيقي والموضوعي!
على الجهة المقابلة، فإنّ الأزمة الحقيقية لمشروع الإصلاح في العالم العربي، بعيداً عن مسألة الاستعصاء السياسي للنخب الحاكمة، هي أنه لا يملك سيقاناً اجتماعية بسبب الخلل الثقافي، فالأمر يتطلب توجهاً اجتماعياً- ثقافياً لا دردشات نخبوية في قاعات الفنادق!
بالتأكيد لا نقلل من أهمية المؤتمرات العلمية، وضرورة دعمها مالياً وإعلامياً وسياسياً، لكن عندما تكون علمية حقّاً، وعندما تدرس الفائدة المترتبة عليها، وجدوى النفقات المرصودة، فلا تكون تكراراً واجتراراً لمؤتمرات أخرى، بلا أية مخرجات حقيقية، وألا تكون تنفيعاً لبعض الأشخاص!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد