قبل سنوات طلب الديوان الملكي، وبناء على توجيهات ملكية، عدم نشر اعلانات شكر لجلالة الملك، ضمن ما يعرف بالشكر على تعاز واعلانات اخرى، وكان هذا ضمن توجه ملكي لتحقيق فائدة من هذا المال وتوجيهه لعمل الخير وللتقليل من المظاهر والشكليات والمجاملات، فاستجاب الناس. لكن بقينا نقرأ اعلانات شكر للشخصيات والفاعليات التي تذهب للعزاء او ترسل برقية، ليوحي بعض "اهل الاموات" انهم يحظون بتواصل مع الكبار واهل الجاه، وربما يقوم البعض بالشكر مجاملة للمعزين الكبار، وحتى لا يذهب جهدهم او برقياتهم هباء منثورا.
ما نود الاشارة اليه هنا ضرورة أن نكمل منظومة التوجه الملكي الايجابي باصدار توجيهات للتوقف عن اعلانات الولاء عبر الصحف، فنحن دولة استوت على عودها، والعلاقات بين مفردات الدولة واضحة، ولا تحتاج مؤسسة الحكم الى شرعية سياسية او شعبية، عبر اعلان ولاء وتأييد من رئيس بلدية ومجلس بلدي، ولا من لجنة تحسين خدمات في مخيم او من جمعية خيرية. فشرعية الدولة راسخة، والولاء والانتماء تفسده مثل هذه الاساليب البدائية التي استهلكتها انظمة، لا يملك رموزها القدرة على لقاء مواطنيهم، وفي رقابهم مجازر ومعتقلات دموية.
لسنا دولة محكومة بانقلاب عسكري، او نظام سياسي معزول حتى تكون الاعلانات التجارية هي وسيلة التعبير عن حب النظام. ولسنا بحاجة لاختبار ولاء وانتماء شعبنا، فمؤسسة الحكم تمثل مرجعية لكل الاردنيين، وهي المظلة التي ارتضاها الجميع عن رغبة، وحتى على صعيد المعارضة السياسية، فهي معارضة سياسات حكومية، وليس لدينا معارضة في الخارج تدعو لتغيير شكل الدولة.
وحتى عندما تنشب خلافات بين الحكومة واي قوة سياسية معارضة فإن بعضنا يخطئ حين يعتقد ان نشر اعلانات الولاء لجلالة الملك جزء من ادوات الخلاف، ويغيب عن هؤلاء ان مؤسسة الحكم لم تكن ولن تكون يوما خصما لأي اردني او قوة سياسية اردنية، وان قوى المعارضة عندما تصل في خلافها مع اي حكومة الى طريق مسدود تلجأ للملك باعتباره ملجأ ومرجعية لكل قوى أبناء الوطن.
الاردنيون ليسوا بحاجة الى اعلان من رئيس بلدية او مختار او رئيس ناد رياضي حتى يثبتوا انتماءهم لوطنهم، ولم يعد مشهد صفحة من اي صحيفة مكتظة بالاعلانات تحمل الصيغة ذاتها واسماء مسؤولين رسميين او شبه رسميين دليل قوة حكومة اودليل تفكير ايجابي. وربما على بعض مستويات صناعة القرار ان تقترب اكثر من طريقة تفكير الملك التي تتجاوز الشكليات والبروتوكولات، ولا تؤمن باكسسوارات سياسية من ايام الفاطميين والمماليك، ولا نرى في هذه الطريقة ولاء يؤشر على قوة الدولة.
ان دعوة صادقة من امرأة فقيرة في اي قرية او بادية او مخيم يدخل الملك بيتها المتساقط، فيقدم لها بيتا وعونا، او يؤمن لابنها علاجا هي المقياس الحقيقي للولاء، والذين نسيتهم الحكومات في قرانا المنسية ووصلهم الملك وغيّر مجرى حياتهم هم المخزون الحقيقي للانتماء، والذين يؤمنون بالدولة وضرورتها وفريضة السيادة هم اهل انتماء وولاء، والطالب الفقير الذي يلبس جاكيتا او يحمل حقيبة مدرسية هدية من الملك قادر على التعبير عن فرح اهم من دلالات الولاء الذي يعبر عنه بأساليب غير مجدية.
توفير المال وعدم انفاقه في هذه المجالات اقرب الى الصواب، ولو قامت اي بلدية بدفع قيمة الاعلان لعامل نظافة او موظف متميز لكانت اقرب الى توجهات الملك ونهجه، ولو فعلت كل جهة مثل هذا فإنها تنسجم مع التوجيهات الملكية وتخدم الناس وتتخلص من اساليب عفا عليها الزمن.
الاقتراح يشمل حتى اعلانات التهاني الرسمية في المناسبات المختلفة، التي تكون من مال البلديات والمؤسسات الرسمية، فمن كان راغبا فليدفع من ماله الخاص. فالملك لا يطلب من هؤلاء انفاق مال الدولة في غير ما ينفع الناس، هكذا نفهم التوجهات الملكية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة