اكملت الحكومة تسعة أشهر من عمرها، وهو ما قد يعتبر انجازا "عمريا" مقارنة بالحكومة التي سبقتها. وربما أن لدى الحكومة الحالية طموحا بان تصل الى مراحل النضج والشيخوخة السياسية التي وصلتها حكومة سبقت، لكن الشهور الماضية لم تخل من احاديث متناثرة حول تغيير وزاري، ثبت لاحقا انها اشاعات حتى الان، فيما مايزال حديث التعديل قائما، وربما تريده الحكومة، لان التعديل بالنسبة لاي حكومة ضمانة للاستمرار في العمل، وطرد لكوابيس الرحيل.
الحكومة حصلت على ارقام ونسب وانطباعات سجلتها استطلاعات مركز الدراسات الاستراتيجية، وهي ارقام لها دلالة واحترام. غير أن الحكومة تبدو احيانا اشبه بموظف يلتزم بمواعيد الدوام والمغادرة وحضور الاجتماعات، من دون أن يكون مبادرا، بحيث لا تسجل عليه مخالفات كبرى، ولا يستحق في الوقت ذاته مكافأة او شهادة تميز. ومن ثم، فهي حكومة بلا مشكلات كبرى، ولا ازمات حقيقية، لكنها لم تسجل أيضا قفزات اقتصادية او سياسية، ولم تقدم لمسيرة الدولة رموزا وكفاءات غير عادية؛ بل ان جزءا غير قليل من طاقمها هم وزراء حكومة سابقة. وقد استطاعت الحكومة ان تحافظ على الوصف الذي استحقته عند تشكيلها بانها حكومة عادية.
الرئيس ليس من طبقات اهل المال والتجارة والصفقات، ولهذا ابتعدت عنه شبهات استغلال السياسة للتجارة. وتلمس فيه محاولة جادة للاقتراب من الناس والوصول اليهم، لكنها محاولات لم تترجم الى آلية واضحة. وهو يحاول ممارسة الوضوح والحديث المباشر حول المشكلات، ولا سيما الاقتصادية منها، ويبدي تعاطفا مع الفقراء، لكن ما يحتاجه الناس اكثر من هذا. والرئيس لا يمارس الصخب السياسي، إذ لديه حماس للدولة وثوابتها وهويتها. وقد تكون لديه نماذج وطنية يحاول ممارسة نهجها، عبر استثمار ماضيه العسكري، وانه من عامة الناس وليس جزءا من البرجوازية السياسية او المالية.
مشكلة الحكومة انها بلا مطبخ سياسي حول الرئيس؛ فخياراته الاولى عادية، والوزراء الفنيون يعملون وفق نظام عربات القطار المستقلة، إذ كل يقود عربته، لكن العربات تربطها سلسلة ادارية، وسرعاتها متجانسة، ربما لغياب افراد مبادرين او اصحاب حضور متميز، أو وفق المصطلح الذي يستخدمه د. صبري اربيحات "مثل حبات البازيلاء، تتشابه في كل شيء"! ولهذا، وعندما يتم الحديث عن التعديل، فان خروج اي وزير او بقاءه مساو لخروج اخر، ولا يختلف الامر الا وفق معايير خاصة بكل شخص، وليس بكفاءة الحكومة ومستقبل أدائها.
وكما اشرت سابقا، فان الحكومة لم تفتح ازمات. وحتى الازمة مع الاسلاميين تجاوزت حدودها الحكومة وصلاحياتها في فتح الملف او اغلاقه. ورفع اسعار المشتقات النفطية استحقاق عابر للحكومات، وما حاولت الحكومة فعله هو تغيير آلية التعويض التي رافقتها عيوب وثغرات وملاحظات. كما حاولت الحكومة ممارسة شفافية في التعيينات الكبرى، لكن مثل هذه المحاولات تحتاج الى ان تتحول الى نهج حتى تحسب للحكومة؛ فالشك وافتراض المحسوبية يحكم قناعة المواطن.
ويظهر على الحكومة والرئيس حرصهما على ان يبدو الانسجام مع المبادرات بغض النظر عن القناعات. فالحكومة وضعت تفصيلا لتطبيق الاجندة، والتزمت بوضع الخطط لتطبيق توصيات ملتقى "كلنا الاردن". ولو ظهرت اي خطط جديدة، لبادرت الحكومة إلى اعلان استعدادها، تماما مثل ان يدرس طالب البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في وقت واحد! وقد يعود هذا الى رغبة في تجنب اخطاء حكومات سبقت، او لتفويت الفرصة على اي تحريض على الحكومة من خصومها.
اوساط سياسية عديدة قد لا تحمل قناعة بتميز في مسار الحكومة، لكنها ايضا لا تجد ضرورة للتفكير ببديل. ولدى البعض قناعة انها الاحسن من غيرها، او خوف ان تكون البدائل لا تحمل حتى مواصفات الموجود. وما ينفع الحكومة انها بلا خصوم على مصالح او قضايا كبرى مع الصالونات ومراكز القوى الرئيسة، فتعطي مساحات مريحة لمن يمكن ان يخوضوا حروبا ضدها. اما العلاقة مع مجلس النواب فهي في مجملها هادئة، ولا تنسى الحكومة دائما ان تحترم المجلس. ولعل قضية الاسلاميين ونوابهم قربت المسافات والاولويات بين اكثرية المجلس والحكومة.
التعديل الذي تتحدث عنه بعض الاوساط فرصة للرئيس لتجاوز اسس مارسها عند التشكيل، واختار حينها "المشي جنب الحيط"، فورث وزراء، واعطى مواقع لأمناء عامين، لكن ما تحتاجه الحكومة هو فريق قيادي اكثر قوة وحضورا واقناعا، اما تكرار الاسلوب المحافظ في التشكيل والتعيينات للمواقع الكبرى فقد لا يقدم اي اضافة على تركيبة الحكومة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة