ما تركه الاحتلال الاميركي للعراق ليس فقط تفكيك الدولة، وتكريس الطائفية والميليشيات، وتضييع الامن والكهرباء والماء والعمل، وقتل الابرياء واجتياح المدن، بل قدم هذا الاحتلال أيضا أنموذجا متقدما ومسارا فريدا في الفساد، قد لا نجد له مثيلا حتى في اكثر الدول المتخلفة! فساد مارسه مسؤولون في مال الدولة ومقدراتها.
وتنسب بعض وسائل الإعلام الى مصادر عراقية ان 4 مليارات دولار هي حجم الاموال التي تم نهبها. ونحن نتحدث هنا عن اقل من ثلاث سنوات منذ تشكيل الحكومات او المجلس الانتقالي! كما قد تكون هذه المليارات الاربعة بعض ما تم نهبه، وجزءا من عمليات الفساد التي يسمع عنها العالم؛ فالوضع العراقي بصورته الحالية في ظل الاحتلال لا يسمح بمعرفة الحجم الحقيقي للفساد، وعدد الملايين والمليارات التي تم هدرها؛ كما معرفة اشكال الفساد ووسائله.
ولو تغيرت بنية الحكومات العراقية، او خرج الاحتلال، لظهر الكثير من المستور. فرغم تغير بعض أشخاص الحكومات العراقية، الا انها تظل تمثل في الغالب الاحزاب والتحالفات ذاتها، وهي بالتالي ليست معنية بالكشف عن الفساد والمفسدين؛ ذلك أن لكل فاسد انتماء سياسيا وتحالفا لا يريد ان يدفع الثمن. ولعل السبب الاهم وراء اختفاء الحقيقة هو ان مكافحة الفساد ليست اولوية للاحتلال ولا للحكومات التي جاءت بعده، الا اذا كان هذا ضمن تصفية حسابات سياسية.
وما يميز الفساد تحت الاحتلال الاميركي انه يتم في دولة فقدت الحياة فيها مقوماتها، من عمل وخدمات اساسية؛ فلو كانت الدولة تسير بشكل طبيعي، ويحظى المواطن فيها بنسبة من حقوقه، من قبيل خدمات وتعليم ووظيفة وامن، ثم كان هنالك بعد ذلك فساد ونهب للمال العام، لقلنا ان هذا يتكرر في دول عديدة في العالم؛ لكن الفساد تحت الاحتلال له نوع خاص!
أيضا، يميز هذا الفساد انه جزء من الكذبة الاميركية التي اكتشفها العالم، والتي بشرت بديمقراطية وحرية ونموذج لحقوق الانسان، فيكون الامر كما هو الان!
وكما يقول بعض خبراء الفساد، فإن العراق يحتل موقعا متأخرا جدا وفق المقاييس الدولية للشفافية. ويبدو ان مرور السنوات في ظل استمرار الاحتلال والنظام السياسي ببنيته الحالية سيعمق حالة الفساد، وقد يعطيها حماية، لأنه مصلحة لاطراف عديدة، اهمها الاحتلال الذي يرغب في اخفاء الحقائق حتى لا تضاف "نعمة" الفساد الى النعم التي وعدت بها اميركا الشعب العراقي.
من وسائل ضغط الادارة الاميركية على دول عديدة في العالم، ومنها عالمنا العربي، المطالبة بالاصلاح السياسي والديمقراطية، ومكافحة الفساد، واحترام حقوق المرأة والطفل والاقليات الدينية والعرقية، والقضاء العادل النزيه، او ما يسمى الحكم الرشيد والشفافية. وسننتظر نحن الشعوب ان تقدم اميركا النموذج المثالي الذي تطالب به دولنا حتى نقتدي بها، والعراق هو البلد الذي تحكمه اميركا بشكل مباشر، وتسيطر على مقدراته وامواله ومصيره.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة