يقدم الطالب لأبيه نتائج الامتحانات المتخمة بالعلامات المتردية. يفتح الأب الورقة فيمتلئ غضبا، ويرسل نظرة واول شتيمة الى الولد، ثم يتوجه الى الام ليحملها المسؤولية لأنها "لا تعرف كيف تربي"، فيما يمجد نفسه بأنه يعمل ليل نهار من اجلهم. وقد يرتفع الجدل، لينتهي كل شيء بعد حين. لكن الاب لا يفتح حقيبة ابنه، ولا يسأله عن سبب تقصيره، ولا يقرر خطوة ايجابية لمتابعة دراسته، بل يتوقف المشهد بانتظار شهادة رديئة اخرى!
هذا الاداء له ما يماثله في التعامل مع الإعلام، وتحديدا الرسمي. فعندما تتم مهاجمة الاردن او استهدافه في مرحلة سياسية، مثلما حدث مؤخرا، ترتفع اصوات توجه النقد للإعلام، وتسأل عن الجهات التي يجب ان تدافع عن الاردن وسياسته وقيادته وتاريخه! فنشتم التقصير، ونبحث عن ضحية، ثم تبرد الاجواء وننسى الموضوع بانتظار ازمة جديدة، او اساءة اخرى للاردن!
لن نمارس تنظيرا لمشكلات الإعلام الاردني، لكن جوهر المشكلة ان قليلون يقومون بواجبهم في ادارة الامور. فعندما يتعلق الامر بتعيين مدير لإحدى المؤسسات الإعلامية الرسمية تكثر الجهات التي تتدخل لتقديم المشورة، وفتح الملفات، وابداء الرأي او الاعتراض. وهكذا، يكثر اهل القرار في هذه المواسم، لكن هؤلاء يغيبون عندما يتعلق الامر بتحمل مسؤولية ما يجري!
بالتعبير الشعبي، نحن نعاني منذ سنوات من حالة "ضياع الحجاب"، اي "غياب البوصلة"! فعملنا هو طبخة إعلامية دون مقادير، إذ اكثرنا من القرارات والقيادات والادارات ومجالس الادارة، وجئنا بناطق رسمي للحكومة، وناطقين باسم الوزارات، وكادر اعلامي في الرئاسة، ومرجعيات للاعلام في عدة جهات عليا، وكلهم قادة واصحاب رؤى وحملة ألقاب، لكن مازلنا من دون اداء! وعندما تهاجمنا فضائية نفقد التوازن ويكثر النقد، وتهاجم المؤسسات بعضها بعضا! الجميع غيور على سمعة الاردن وصورته، لكن لا احد يريد العمل الحقيقي.
والسؤال: اين هي الجهة الجريئة صاحبة الرؤية التي تفكر بخطوات عملية؟ وهل نعطي لترميم حالة الاعلام الرسمي وقتا، مثلما نعطي عندما نريد تعيين مدير عام؟ وهل لدى اي مسؤول او مرجعية في كل دوائر صنع القرار تصور واضح لما نريد، وآليات العمل، وحتى الرؤية الملكية التي قدمها الملك للمجلس الاعلى للإعلام؟ ومن يملك الجرأة ليقول اننا لسنا بحاجة الى مجالس ادارة لوكالة الانباء او التلفزيون او للمجلس الاعلى للإعلام او المركز الاردني للإعلام، كما للكم الهائل من الناس المتناثرين في كل هذه الهيئات، طالما أن الدولة لا تدري كيف ترد على هجوم او نقد، او تسوق مواقف؟
المجلس الاعلى للإعلام جاء ليكون غير ما هو الان، ولولا خبرة رئيسه وحكمته وادراكه لما هو موجود، ما جعله يذهب به ليكون عنوانا للتدريب والتأهيل ومرجعية تحظى بالاحترام، لانعدم حتى الدور الحالي للمجلس! فالإعلام ليس مرعوبا، بل بعض أهل القرار بلا تصور، وربما بلا قدرة على وضع تصور!
على الدولة ان لا تخجل من ان يكون لها اذاعة وتلفزيون وصحف ووكالة انباء، لكن عليها ان تدرك ان مؤسسات الاعلام الرسمي ضعيفة التأثير. والمشكلة ليست في ان يكون فلان مديرا أو رئيس تحرير، بل أن من يتخد القرار لا يملك اجابة عن الدور الذي يريده من هذا المدير او ذاك. وما إذا كانت هناك امكانات تجعله قادرا على العمل. وهل نأتي بشخص لأنه يحظى بالقبول من دوائر صناعة القرار ام لأن لديه شيئا يقدمه؟
لا حاجة لنا بكل مجالس الادارة والمستشارين، ولا بكل الاختراعات التي جاءت بعد الغاء وزارة الإعلام، ما نحتاجه هو تقييم لدور كل مؤسساتنا الإعلامية، وكل مرجعيات الإعلام المعلنة وغير المعلنة، وان تملك الجهات المسؤولة، وفي مقدمها الحكومة الجرأة على مراجعة ما لدينا من واقع ومؤسسات. فهل دور اعلام الرئاسة هو تغطية نشاطات الرئيس، ام ان مندوبا لوكالة بترا يمكنه ذلك؟ وهل دور الناطق الرسمي باسم وزارة ما هو تنظيم مؤتمر صحافي اسبوعي؟ وهل هناك مستقبل للتلفزيون الاردني، بغض النظر عن ادارته؟ وما هي حدود تأثير الاذاعة الاردنية؟ وهل نختار مجالس الادارة لتقدم شيئا ام لتنفيذ احكام القانون؟
اسئلة كثيرة تحتاج الى قرار رفيع المستوى للبحث عن اجابات، واتخاذ قرارات؛ فكل ما فعلناه خلال سنوات كان تعيينات وبناء مقرات واختراع هيئات، فيما نرتبك حين نواجه نقدا، فقد مارسنا كل شيء الا ادراك ما نريد، وكيف نصل اليه!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة