مرّ خبر الرسامين العراقيين - الذين يحولون جدار الاعظمية إلى معرض فني- مرور الكرام في الإعلام العربي، ولم يلتفت له أحد، فالكل مشغول بقراءة دلالات بناء الجدار أمنياً وسياسياً، وفي التأكيد على أنّ الجدار هو تعبير جلي عن الإفلاس الأميركي وفشل قوات الاحتلال في مواجهة العمليات المسلحة.
تعاطي الإعلام العربي الشعبوي مع قصة الجدار يكشف بوضوح شديد أزمة هذا الإعلام الذي يتجاوز ويتجاهل كافة دلالات وتلاوين الكارثة الإنسانية العراقية اليوم، ولا يتردد في التلميح أو التصريح أنّ هذه الكارثة تهون أمام هزيمة المشروع الأميركي في العراق، حتى وإن كان الخاسر الأكبر هو العراق نفسه، الذي يدفع يومياً كلفة الصراع المرعب الداخلي.
لا يكترث الإعلاميون الشعبويون - الذين يهللون للهزيمة الأميركية ويدعون إلى انسحاب القوات الأميركية- إذا كان البديل هو حرب أهلية طاحنة تأكل الأخضر واليابس وتؤدي إلى دمار هائل، لا تمثل الجرائم والاعمال الانتقامية الحالية سوى ألعاب نارية أمام سيناريو الحرب الأهلية القادمة.
بالتأكيد لسنا مع بقاء قوات الاحتلال، ولا مع احتلال عاصمة الرشيد. فالاحتلال هو علة الكارثة العراقية، وما قام ويقوم به من ويلات ضد القانون والإنسانية بمثابة الجريمة الكبرى، جريمة العصر التي لا تنازعها ولا تماثلها جريمة أخرى. لكن في المقابل فإنّ تغييب المعادلة الإنسانية في العراق واختزال الكارثة الحالية في صراع بين المشروع الأميركي والمقاومة قراءة غير صحيحة بتاتاًَ تشوه صورة ما يجري في العراق وتزور وعي الإنسان العربي وتعلبه في أحادية لا تقرأ الأبعاد الأخرى.
الأولوية اليوم ليست فقط في خروج الاحتلال، وإن كان ذلك مطلبا شرعيا وإنسانيا فطريا، إذ يجب أن تتوازى مع هاجس أساسي يفوقها أهمية وهو حماية العراق والعراقيين من الكارثة الحالية، والتخفيف منها، بل ومنع الانجرار إلى وضع أسوأ، ذلك أهم بكثير من أية أبعاد سياسية للهزيمة الأميركية التي يتغنى بها المناضلون العرب. فأين الإعلام العربي والمنظمات المدنية والمناضلون السياسيون من توضيح حقيقة الكارثة الإنسانية في العراق، ومن مساعدة العراقيين على تجاوز المحنة الحالية والتخفيف من ألم الجرح الذي يستنزف الدولة والمجتمع والفرد العراقي بل والرصيد الإنساني والتاريخي لهذا البلد العريق.
وفقاً للأرقام الرسمية التي ترصد الحالة الإنسانية العراقية، منذ الاحتلال إلى شهور قريبة، فإن عدد القتلى العراقيين وصل إلى قرابة سبعمائة ألف بالإضافة إلى أعداد هائلة من الجرحى والمصابين. أما أعداد المهجرين والنازحين إلى خارج العراق فأقل التقديرات تشير إلى مليوني شخص، بينما تتضارب أعداد الهجرة الداخلية، التي تصل في أقل الأحوال إلى مئات الآلاف، وتشير تقارير دولية إلى أنّ قرابة نصف مليون عراقي قد غادروا أحياءهم خشية الانتقام الطائفي بعد استهداف ضريح الإمام العسكري بسامراء العام فبراير العام المنصرم.
الكارثة الأخطر تطال الفئة المثقفة والعلماء والأكاديميين والمهنيين والطبقة الوسطى العراقية؛ إذ تشير الأرقام إلى أنّ 40% من المهنيين قد غادروا العراق، مع انخفاض كبير في نسبة الطلاب في الجامعات والمدارس، وبروز أمراض عصبية وتداعيات اجتماعية ونفسية وثقافية خطيرة على المجتمع العراقي تصيبه على المدى البعيد بأدواء قاتلة، في حال بقي هنالك عراق موحد، ولك أن تسأل بعد ذلك المناضلين الشعبويين العرب: من المستفيد من الحرب الأهلية والفوضى وتقسيم العراق: العراقيون والعرب أم غيرهم؟!
جدار الاعظمية الاسمنتي الكئيب خطير في دلالاته وأبعاده، إذ يقسم بغداد طائفياً ويرمز إلى تكريس الشرخ الاجتماعي والثقافي والسياسي، لكن قبل جدار الأعظمية بنى إعلامنا ومؤسسات المجتمع المدني العربي جداراً آخر وأخطر وأسوأ مع المجتمع العراقي، ما حال بيننا وبين رؤية ألم العراقيين ومواساتهم في مصابهم والعمل على التخفيف من هولها.
الفنان العراقي - الذي استل ريشته ليخفف من هول مشهد الجدران الاسمنتية التي تشوه بغداد وتقطع أوصالها- كأنه يسقينا شربة ماء في حر الهجير، ويعطي دروساً للعرب عن غيبوبة الدور العربي في العراق. فإذا كنا لا نملك التأثير في السياسة ولا وقف العصابات الإجرامية المتبادلة فإننا نملك أن نخفف، في مجالات كثيرة، معاناة العراقيين ونواسيهم في مصابهم بدلاً من التغني في الخراب الحاصل!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد