ها قد نزعت صاعق الانفجار من داخلي ، وقد قلمتْ أظافري الأيامُ ، وصارت تنطبق عليّ شروط الهشاشة ، صرت مسكينا في السياسة ، أتسكع حول قراءات الأحداث ، وتقلب معطيات الدنيا. صامتا ابوء بزوايا النسيان ، ولا تكاد تلتفت إليّ الشمسُ ، فأنا اقبع في الجانب المظلم من قلبي ، تجتاحني الأيام المرة ، وتضرب عليّ طوقا من الحصار ليس له قرار.

لا ابرح قواعد الحزن ، وقد حل عالمّ مريعّ من الخذلان في أعماقي ، وتسربت إلى روحي قتامةُ الهزيمة ، وانسلت إلى دائرة الحدث الداخلي لتطفئ النجمة التي لطالما أنارت لي الطريق ، وكانت تعد بأيام بيضاء جديدة.

ها انذا في حصار ذاتي ، أمعن في تفصيل مقاسات جديدة للحلم الذي لا يتعدى حدود القيد ، فلقد علمتني الأيام أنها صيغة جامدة لآلامنا ، تتوزع على الساعات التي تطلع من عند الشمس حافية القدمين لتحمل على ظهرها قصة مأساوية كبرى اسمها الحياة ، وتعود في كل يوم محملة بعذابات الراحلين ودموعهم.

صرت أخاف من ضوء الشمس ، تؤلمني مفردة الحياة ، وأتوق إلى التلاشي ، فلعل عالما أخر نكون فيه أكثر نقاء ، وحرية. لعلنا نستعيد أنفسنا في لحظة المغادرة ، فلقد حققنا انقلابا على جوهرنا بدعوى البقاء ، ومثلنا أدوارا ألغت إنسانيتنا ، وصيرتنا عبيدَ الأيام ، مربوطين ما حيينا بحبل الدنيا الذهبي ، نستمد من الوهن عزيمتنا الآسرة. نتطلع إلى الغد ، ونحن العوبة الزمن القاسي ننقص بين يديه ، نحاول أن نخفي ملامحنا في حراك الأجيال ، ونستر عن وجوهنا حقيقة إمعان الدنيا في تجريب قانون الفناء الطبيعي فينا ، لا نرى حجم الخسارات التي حققناها على صعيد إنسانيتنا ، وربما نعوض نقصنا بالأغصان التي تورق مترافقة مع عوامل الهدم التي لا تتوقف ، وتجيء يوميا على وقع صرخات الألم.

او لعلنا نصل إلى ينابيع الحقيقة في رحلتنا بين الأمل والألم على ضفاف هذه الدنيا ، فتلك المعرفة لا نحققها سوى بالدموع ، وجرح الشعور.

وأنا ما زلت اركض في طرقات الحياة المظلمة حتى لجأت إلى كهف روحي ، ودنوت أخيرا من ذاتي ، وتلمست الأمس ، ورحت ابحث عن مكان تشرق فيه الشمس لأعلن خروجي.

وأنت ما تفتأ تسير خلفي كظلي ، وقد تركتك منذ الأزل كي لا أعود أتعرف إليك في داخلي ، أقصيتك عني ، أنكرتك ، وأنت تشبهني ، حاولت أن تموت معك حقيقتي ، واجد لي فرصة كي افصّل لي دورا أخر على مسرح الحياة. أنت تقلقك تلك المرآةُ التي ترى فيها نفسك ، ويطل وجهك من قعر الماضي . فأنت أصبحت على الحياد في القضية التي تخصك ، أنت فشلت لأن أحدا ما أنصفك ، فكم مرة تخلى عنك رفاق الطريق ، وأنت تحارب في معركة ليس لها جنود.

أنت لم تتعلم من درس هذي الأيام ، ولم تقرأ حقائق الواقع ، أتراك أخطأت إذ لم تدرك أن أقدامك تذهب بك خارج حكاية الدنيا.. إلى أين تمضي ، والمهمة لم تنته بعد. تحاول في عتمة هذا الليل أن تترنم بروح الدنيا الرائعة ، وان صارت في الهزيع الأخير. وتدق أجراسك في عتمة هذا الليل لعل نور الله يُخرج الناسَ من الظلماتً إلى النور.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رشاد أبو داوود   جريدة الدستور