تؤدي الدولة خدمات متنوعة لمواطنيها بصفتهم الدستورية ، ولما يترتب عليهم من ضرائب بموجب أحكام القانون ، وتقوم على أداء هذه الخدمات مؤسسات مختلفة قد تتقاطع في بعض من خدماتها مع تلك التي يؤديها القطاع الخاص ، وتكاد رواتب الموظفين التي يتقاضونها من المؤسسات العامة ان تستهلك نصف موازنة الدولة تقريبا ، وربما أن الرواتب التي تعطى في القطاع العام الأردني تفوق بدرجة ما نظيرتها التي تتحصل من خلال مؤسسات القطاع الخاص ، إضافة إلى تحقق الاستقرار الوظيفي ، وميزات أخرى تلحق بالعاملين في القطاع العام ، والتي قد يكون من أبرزها من حيث التطبيق انعكاس سيادة المؤسسات على العاملين فيها ، مما يتسبب باختلاط نوازع السلطة مع دورهم الوظيفي ، وأداء الواجبات الوظيفية بطريقة تشعر طالبيها من الموظفين بفوقية السلطة ، وهو ما لا يحدث للمتعاملين مع خدمات القطاع الخاص.

إذ أن المؤسسات في سعيها إلى تحقيق الربح المباشر تعمد إلى الرقابة الصارمة على سلوك موظفيها ، ناهيك عن اختيارهم بطريقة تتحقق فيها الفائدة للمؤسسة ، ويبقى العاملون فيها تحت تهديد رضا أو غضب الزبون ، أما المواطن الذي هو زبون خدمات الدولة الدائم ، ودافع الضرائب ، فقد يلقى القسوة ، والتعقيد عند طلبه للخدمات التي تتأتى من خلال المؤسسات ، والدوائر العامة ، حيث يقوم بعض الموظفين العموميين ابتداء من المراسل وحتى أعلى الدرجات الوظيفية بالنظر إلى حاجتهم للتمتع بالصلاحيات والسلطة الى إشعار المواطنين بأهميتهم من خلال المساومة على نوعية الخدمات المقدمة لهم ، وقد يرافقها التعقيد وربما أن حاجات الناس تتعطل حتى تقوم الواسطات بتحريكها نظرا للنوازع النفسية لهؤلاء الموظفين باستشعار هيبة السلطة ، ولا يكترثون بالنتيجة السياسية المترتبة على سلوكهم الوظيفي القاسي ، والتي تلحق الضرر بصورة المؤسسات ، ذلك أن تعقيد حياة الناس ، وعدم إشعارهم بالأمان والراحة أثناء تعاملاتهم مع الدولة يؤدي إلى تراكم المشاعر السلبية ، والاحتقان وهي تضغط على العصب الحساس في الدولة المتعلق بشرعية المؤسسات حيث تستمد نظريا هذه الشرعية من أصوات المواطنين ، وهي التي تغدو هشة ، وحالة عدمية عندما تنحو الناس بشكل جماعي إلى سحب ثقتها ، وقد رأينا مشاهد دالة في غضون الأيام الماضيات تؤكد أن المواطن ليس حالة سلبية ، أو مكونا مسلوب الإرادة.

يظل المواطن في حالة اشتباك يومي مع المؤسسات ويجب ألا يشعر بالاهانة أمامها ، فهو فعليا أساس الدولة ، وهي التي تدير حياته ، وقد تزيد من منسوب مشاعره الوطنية عندما تراعي سهولة حصوله على احتياجاته ، وتقدم له أساسيات حياته ، وبعكس ذلك أن يجد المشقة في تعاملاته معها ، أو يشعر بالرعب ، والخوف أمامها إذا لم يكن مدعوما بواسطة ، وقد يؤدي السلوك الوظيفي غير الحضاري ، وتقديم الخدمات بطريقة متخلفة إلى سحب رصيد الولاء والانتماء من الشارع ، وهو ما ينذر بخطر يتهدد المستقبل بلا شك.

وهذه الطواقم من الموظفين الذين يحصلون على رواتب شهرية ، وميزات تلحق بالوظيفة الرسمية عليهم أن يراعوا أن صورة الدولة تتضرر بسبب سلوكهم الوظيفي القاسي ، وعدم تفهمهم لموقع المواطن في الدولة الدستورية ، وحقوقه الواجبة على المؤسسات. وهؤلاء يحتاجون إلى توجيهات مباشرة بضرورة الحفاظ على الشرعية من خلال احترام كرامة المراجعين ، وعدم تعريضهم للسخط والاحتقان ، وذلك بالسلوك الوظيفي المتميز ، والفصل بين دور الموظف الرسمي ، واستخدام الوظيفة بالتسلط ، واخضاع هؤلاء الموظفين إلى الرقابة اليومية ، والى عقوبات مشددة في حال تعمدهم تعقيد حياة الناس.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رشاد أبو داوود   جريدة الدستور