تشهد الساحة السياسية الأردنية منذ أيام خلت حالة احتدام لموجة متصاعدة من البيانات التي تدعو إلى الإصلاح على وتائر شتى ، وقد انطلقت من رؤية أصحابها في كيفية هذا الإصلاح ، ومراحله تبعا للخلفيات التي تمثلها هذه الجهات ، وجلها هدف إلى الاختلاط ومواكبة حراك الشارع الذي ترافق مع حالة إقليمية مستجدة ، وكان بدأ بمطالب عمالية ونقابية عادلة ، عوضا عما فرضته قسوة الظروف الاقتصادية من تداعيات على الوضع الداخلي في الأردن ، ومن ثم تزايد هذا الحراك مع وصول التأثيرات الإقليمية إلى الفضاء الأردني المفتوح.
وعندما يصار إلى تقديم وجبة كبيرة من طلبات الإصلاح من خلال جهات حزبية إسلامية ويسارية ذات صلة انعكست عن عملها السياسي المنظم ، أو الشخصيات العامة صاحبة الرصيد الفكري ، والتي تحظى باحترام شعبي كبير ، وما ترافق مع ذلك من دخول جهات غير موثوقة ، وتسعى لاستغلال الظروف ، وإيجاد مساحة لها للمشاركة ، وأقحمت نفسها على خط هذا الحوار ، وربما تحاول أخذه بعيدا عن مقاصده ، وللفت الانتباه رفعت سقف طرحها السياسي الذي يصيب الثوابت ، وهي تحتمي بمقتضيات هذه المرحلة الخطرة ، كل ذلك يدعو إلى تجسير هذه المساحة الحرة بين السلطة السياسية ، وجهات التمثيل الشعبي ، وتأطير مطالب الإصلاح وعدم تركها بدون إجابة ، وإذا خرجت الإصلاحات تكون بتوافق رسمي شعبي مشهود ، وهذا قد يتطلب تكليف جهة رسمية موثوقة ومعروفة بنزاهتها خارج إطار السلطة التنفيذية بفتح حوار مع الجهة الشعبية للوصول إلى شكل الإصلاح المطلوب بين الطرفين وإعلانه تحت إطار وطني عريض ليصار بعد ذلك إلى اخذ المبادرة بتنفيذه على الفور وبدون تباطؤ ، وصولا إلى حوار وطني للتوافق على متطلبات هذه المرحلة من الإصلاح ، ووقف الانفلات في المطالب الناجمة عن دخول جهات هدفت إلى لفت الانتباه ، ولم تراع خصوصية الحالة الأردنية.
قد نكون اليوم أمام احد أهم التحديات التي تخص المستقبل ، وقد صار الحراك الوطني بحاجة إلى تأطير كي يكون الخروج من هذا المأزق من خلال العقل الأردني المتنوع ، وكي لا تنفرد جهة باجتراح الحلول ، ولا يتحمل بعد ذلك الجميع مسؤولياتهم ، وتظل قضية الإصلاح عالقة ، ومدعاة للاستغلال السلبي.
وربما أننا بتنا بحاجة إلى جراءة في التنفيذ ، وعدم تضيع الوقت ، والقيام فورا بإجراء تغييرات ملموسة على حياتنا السياسية تشعر الناس بمواكبة التطور الذي تحتاجه الحياة ، وبما يتناسب مع ثوابتنا الوطنية.
والخلاف في الأردن ليس كبيرا ، ولا يوجد رصيد دموي بين السلطة والمعارضة ، واليات الحكم أكثر مرونة من غالبية الأنظمة العربية ، وربما ان الهياكل السياسية متوفرة ، ويبقى إطلاق أدوارها ، وقد تكون المطالب الإصلاحية مريحة على هذا الصعيد ، والمزاج السياسي الأردني عموما بعيد عن التشنج ، وهنالك صيغة قابلة للتطبيق فيما لو توفرت الإرادة للمضي قدما في التغيير.
وهذه الجولة من الإصلاح محكومة قصرا بعدم الفشل ، كون الظروف لا تحتمل مثل ذلك ، ويجب أن لا يدركنا الوقت قبل أن نتهيأ من خلال الآليات السياسية المتفق عليها لاحتواء متطلبات المراحل القادمة ، والتي دخلت فيها مؤثرات كثيرة ، ونحن قد نتمكن من تسجيل قصة نجاح أردنية في تقديم الوصفة اللازمة للإجابة على سؤال المستقبل في المنطقة العربية ذلك إذا أخذنا زمام المبادرة على الفور.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رشاد أبو داوود جريدة الدستور