يوم الاحد، استقبلت محافظة الكرك جلالة الملك في واحدة من زيارات التواصل وتفقد احوال الناس. ومثل هذه الجولات الملكية فرصة لكي يتواصل المواطن مع قائده في الشأن العام والخاص، فليوصل صوته ومطلبه وصدق انتمائه.
الناس يحاولون استثمار هذه الزيارات ليرسموا واقعهم في ذهن الملك، ليكون اكثر قربا من مشكلاتهم وحاجاتهم. وإذا كانت الوسيلة المعتمدة لطرح القضايا الخاصة هي الاستدعاءات والرسائل والاوراق التي تطلب مساعدة مالية، او وظيفة لولد او بنت، او بيت؛ فإن واجب إيصال المطالب العامة ومشكلات المحافظات إلى جلالة الملك يقع على عاتق الكبار الذين تتاح لهم فرصة الحديث امام الملك، سواء عبر الكلمات او الحديث المباشر. ففي كل زيارة تتاح الفرصة لشخص او اثنين او ثلاثة للحديث والقاء الكلمات، لكن علينا ان نعترف ان هؤلاء المتحدثين يهدرون هذه الفرص.
إذ عندما يزور الملك محافظة ما فإنه يحب ان يستمع الى همومها ومشكلاتها الكبرى، وحوله مستشاروه والحكومة، كلهم يسجلون ما يقوله المتحدثون من مطالب عامة او اقتراحات. لكن معظم من تتاح لهم فرصة الحديث ينسون انهم يتحدثون باسم الناس، وان واجبهم ان يخلصوا للملك والناس في ايضاح الصورة، ووصف الحال، وتقديم الاقتراحات التي ترفع سوية الخدمات او تعالج المشكلات في المحافظة. فيتحول هؤلاء المسؤولون الذين يعطون فرصة الحديث الى شعراء، واصحاب اقلام في البلاغة والخواطر! ويبدو كثيرون منهم وكأنهم لا يعرفون عقلية الملك وطريقة تفكيره، فهو يحب ان يستمع الى مشكلات الناس وحاجاتهم، والى اقتراحات لحلول او افكار قابلة للتنفيذ.
في الكرك ألقيت ثلاث كلمات. إذ تحدث المحافظ فاستغرق معظم الوقت في البلاغة والانشاء والمديح، اما المطالب فلم تأخذ الا اقل من دقيقة، وهي كلية فندقية، ومدينة رياضية، وزيادة الخدمات الصحية. كما تحدث رئيس مجلس النواب، عبدالهادي المجالي، فقدم فكرة ايجابية عن ضرورة تحويل المحافظات الى مناطق غير طاردة لابنائها، عبر التنمية والاستثمارات، ولامركزية القرار التنموي؛ اي فكرة الاقاليم التي ضاعت في الادراج. ولعل المجالي خرج عن النمط التقليدي فاقترح فكرة مباشرة، لكن المحصلة ان قضايا المحافظة لم تصل للملك.
كان من الممكن بدل مديح حجارة القلعة ان يستمع الملك الى تقويم لدور الحكومة في خدمة المحافظة سياحيا، وهي مدينة التاريخ. فالسياحة في الكرك ليست موردا لاقتصاد سكانها بسبب اهمال هذا الجانب. وبدلا من التغني بالشيح والقيصون، كان يجب ان يتم التركيز على حاجة المحافظة الى مستشفى اكثر قدرة، او الى مشروع مستشفى تعليمي يخدم المحافظة وكلية الطب في الجامعة، ويتم انشاؤه في منطقة اللجون، مثلا، لتتحول الى منطقة مخدومة. وبدلا من القاء الشعر بجبال مؤاب، يحتاج اهل الكرك إلى أن يتحدثوا أمام الملك عن طريق تربط الكرك بالطريق الصحراوي، طولها حوالي 30 كم، تعمل الحكومات على انشائها منذ اكثر من 11 عاما، وتحتاج الى سنوات اخرى حتى تنتهي كأنها سور الصين العظيم! وكان على من تحدثوا أمام الملك باسم المحافظة وقراها أن يطرحوا قضايا البطالة وطرق حلها، وعن نسب الفقر والعائلات التي لا تجد بيوتا، وعن الزراعة ومشاكل المزارعين وفقر اهل الاغوار، وعن المدارس وهل تكفي، وبرد الشتاء فيها!
يكفي الملك ان يستمع الى زغرودة حب من سيدة، او بيتي شعر صادقين من مواطن، او ان يرى فرح طفل وهو يلوح بالسلام عليه. أما عندما يقف المسؤولون بين يدي الملك، فإنه يطلب منهم ان يمثلوا الناس، ويحملوا مشاكلهم، ويقدموا الافكار والمقترحات. ومن يعطى الفرصة للحديث بين يدي الملك لا يمثل نفسه، بل تلك الالاف في كل قرية.
وهنالك ادب في مخاطبة الملوك واعطائهم حقهم في التبجيل والتقدير، لكن للناس حقا في كلمات المتحدثين والخطباء. واذا عدنا الى ما ذكره رئيس مجلس النواب، فإن كل محافظاتنا تعاني من ذات المشكلة: فقر في مشاريع التنمية والاستثمارات، وهجرة نحو عمان، وتحول محافظاتنا الى فئة الاقل حظا وبؤر للفقر. والعلاج الجذري ان نجعل من محافظاتنا مناطق جذب لأهلها، عبر خلق فرص عمل وخدمات، والا فكل العلاجات الاخرى جزئية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة