لم نعد في الاردن بحاجة الا الى وقفات سريعة مع اي حادث ارهابي او اجرامي لغايات الادانة والرفض، فقد اصبح بديهيا ان كل الاردنيين وقواهم السياسية الاجتماعية في خندق واحد من مثل هذه الاعمال ومنطلقاتها الفكرية والسياسية.
لكن ربما ما نحتاجه، بين الحين والاخر، ان نشاهد المدرج الروماني الذي جرت فيه جريمة الاثنين من مدرج اخر، ولعل ما يلفت الانتباه ما شاهدته وشاهده الكثيرون على احدى الفضائيات من تصريحات لشهود عيان وتجار في المنطقة واحدى المصابات بأن من قاموا بالهجوم على القاتل بعد اطلاق النار وملاحقته والقبض عليه هم الناس واهل السوق مع الشرطي الذي اصابته رصاصات القاتل، وسمعنا من مواطن يصف ملاحقة مطلق الرصاص وانه هو وجاره المصور الذي وصفه بـ (العبادي) قاموا بملاحقة القاتل حتى جاءت الشرطة وقامت بأخذه.
وسمعنا من احدى السائحات المصابات انه بعد اطلاق النار عليها ورفيقة لها، جاءها رجل وصفته (بالرجل الطيب) وقام بادخالهن الى محله التجاري لحمايتهن حتى تم النقل الى المستشفى، ولعل مثل هذه السلوكيات والغيرة والتعامل السليم من المواطنين هو ما يجب تقديره والاشارة اليه، فهذا الوعي من الناس واحساسهم بالمسؤولية ووقفتهم الشجاعة قد تكون ادت الى تقليل الخسائر ومحاصرة القاتل والقبض عليه.
الدولة لا تستطيع ان تضع رجل امن في كل مكان، لكن عندما يكون المواطن مدركا لمسؤولياته، وقبل هذا على قناعة بأن اي عمل اجرامي او ارهابي تهديد لأمنه الشخصي ومصالحه المباشرة، قبل ان يكون تهديدا لأمن الوطن، فسيكون المجتمع بأسره بمثابة جهاز الامن الاول، وهذا الوعي بحاجة الى تعزيز، وقبل هذا بحاجة الى ان تكون آليات ووسائل الدولة حريصة على تعميق هذا السلوك.
الحادث الاجرامي الاخير، وقبله جميع العمليات الارهابية، ما تزال تحتاج منا جميعا الى التعامل بجرأة وموضوعية مع سؤال كبير: هل نقوم جميعا بدورنا وواجبنا الكامل الذي يتناسب مع حجم التحديات والتهديدات وقناعاتنا بأن الاردن هدف؟ وهل مجمل ما نفعله بحجم هذه التهديدات؟ نقول هذا ونحن نعلم ان كل دول العالم لا تستطيع ان توفر حماية، لكل تفاصيل الجغرافيا، وان تداخل الدول والمجتمعات وحركة النقل والسياحة والاقتصاد، كل ذلك يجعل الامور غاية في الصعوبة. ونعلم ايضا ان الاجراءات الحكومية قد ادت الى القبض على مجموعات ارهابية، وملاحقة كبار قادتهم، لكن النجاح في الاجراءات الهامة والاستراتيجية لا يعني عدم الاهتمام بالاجراءات الروتينية. فالثغرات احيانا تأتي مما نعتقد انه امر روتيني.
علينا ان لا ننفق من الانفعال والتصريحات والاحكام والابعاد السياسية الا ما تحتاجه كل قضية. فالتفجيرات الارهابية للفنادق، في العام الماضي، كانت تحتاج الى كل ما اخذته من ردة فعل ومتابعة، لكن حادثا مثل جريمة الاثنين الماضي لا يستحق منا ان نتبعه بتأكيدات على تماسك جبهتنا الداخلية، واحاديث حماسية عن قوة الدولة ومتانة حصوننا، وان نذهب في تحليلات حول التأثير على الاقتصاد والسياحة، او ان تذهب الحكومة الى حد استغلال الحادث لترد على معارضي قانون مكافحة الارهاب الذي اقره مجلس النواب، ولا ان يقوم بعض الاعلام شبه الرسمي ببث اغنيات حماسية، وكأننا خارجون من حرب، ان نضع كل قضية بحجمها، ولا ضرورة للمبالغة، ولا حاجة ان نرى الحكومة مرتبكة وتنفق التصريحات والمؤتمرات الصحافية. فلكل مقام مقال ولكل حدث حجم وردة فعل تتناسب مع دلالاته.
خبرة المسؤولين تكون احيانا وراء المبالغة في ردة الفعل، واحيانا يكون الخوف من النقد والمساءلة وراء المبالغة والتضخيم. فما جرى حادث يمكن ان يتكرر في اي مكان في العالم وبخاصة في الاماكن المزدحمة، لهذا لا مبرر ان تظهر الدولة، وكأنها قابلة للاهتزاز، ونكثر الضجيج مع حوادث عادية.
المطالبة بردة الفعل الطبيعية لا تعني غياب التقويم لاجراءاتنا وادائنا. فمن يستحق الشكر والمكافأة فمن الواجب ان تقدم له، ومن يستحق المتابعة والمحاسبة، فالضرورة تقتضي ان نعطيه ما يستحق.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة