اخيرا، قرر رئيس المجلس الاعلى للاعلام، ابراهيم عزالدين، الاستقالة من موقعه. وهي استقالة افقدت الكادر القيادي للاعلام الرسمي شخصية تحظى بالمصداقية والاحترام، والخبرة والحكمة؛ كما انه ممن خبروا العمل الحكومي ما مكنه من ممارسة صبر قد لا يقدر عليه غيره.
ما نجح به ابو يوسف انه اعطى دورا غير تنفيذي للمجلس الاعلى، ورسم له مسارا للتدريب والتأهيل، واعطاه موقعا مرجعيا عبر تقارير حرية الصحافة والدراسات؛ فخرج به من كونه مؤسسة رسمية الى هيئة مرجعية. وقد رسم الرئيس المستقيل هذا الدور وهو يعلم، كما كثيرون، ان المجلس فقد هويته منذ العبث بقانونه وفكرته الاولى، فذهب باتجاه لا علاقة له بالاصل الذي جاء من اجله، ولا بما تضمنته الرسالة الملكية التي كلفت الحكومة باخراج المجلس الى حيز الوجود.
وحتى الدور الذي صنعه عزالدين للمجلس لم يكن دوره الحقيقي الكامل، لكنه اخف الضررين، لأن ما ارادته الحكومات هو ان يكون المجلس دائرة تنفيذية رسمية، تضاف الى مجموعة الجزر الاعلامية الرسمية المتناثرة، بمجالس اداراتها وكوادرها، فيما يعتمد الانجاز على مبادرات المدير وفعالياته! واذا كان ما يقال دقيقا حول نية الحكومة إلحاق دائرة المطبوعات والنشر وهيئة الاعلام المرئي والمسموع بالمجلس، فستكون المرحلة القادمة من مسيرة هذا المجلس الذهاب به في اتجاه الدور التنفيذي، الأمر الذي تعتبره الحكومة خطوة مهمة لهيكلة الاعلام الرسمي، تضاف الى خطوة متوقعة بإلحاق مؤسسة الاذاعة والتلفزيون ووكالة الانباء برئيس الوزراء. اي ان المجلس سيصبح دائرة اعلامية ادارية، ويفقد قدرته بالتالي حتى على الاستمرار في إصدار تقارير حرية الاعلام والدراسات المهنية، لأنه سيفقد مرجعيته باعتباره دائرة تنفيذية.
واذا ما تحققت هذه الامور، فهل سنكون بحاجة الى مجلس ادارة لوكالة الانباء، وحتى للمجلس الاعلى للاعلام؟ إذ ستكون مرجعية مدير الوكالة رئيس المجلس، كما ستكون ادارة المجلس الاعلى عبئا اداريا، وتخرج عن دورها الذي جاءت به. وليس من المعقول ان تكون مهمة المجلس الاعلى كمجلس ادارة لهيئة المرئي والمسموع او لوكالة الانباء!
لن ندخل في التفاصيل الادارية المتوقعة، والتي تحتاج الى تعديل قوانين، وقد لا تحدث لأننا اعتدنا على انصاف الافكار وارباع الخطوات والاقتراحات التي تنبني عليها قرارات، فتضيع الاقتراحات وتبقى القرارات، لكن ما يعنينا اننا قد نكون امام موجة جديدة من الحراك الاداري الذي تعتقد الحكومة انه طريقها إلى ما يسمى هيكلة الاعلام الرسمي، او حل المشكلات المتراكمة. ومهما تكن هذه الخطوات المتوقعة، فإنها ستكرر محاولات قامت بها حكومات سابقة، كانت اجراءات ادارية بكليتها وليست كافية لاحداث قفزة حقيقية.
وبمناسبة الاعلام والتطوير، فقد كانت حادثة اطلاق النار في المدرج الروماني قبل ايام اختبارا غير ناجح. فالاعلاميون، سواء من الاعلام الرسمي او من خارجه، عانوا من غياب المعلومة في الفترة الاولى للحادث؛ فالخبر في مثل هذه الاحداث لا يصبح خبرا بعد ساعة من حدوثه! وهنا لا يقع اللوم على الوكالة او التلفزيون، فهي جهات رسمية لا يمكنها بث خبر دون اذن رسمي؛ وربما لا يكون تقصيرا حتى من الناطق الرسمي، لأن للمعلومة مصادر. ونتذكر الحادث الارهابي وتفجير الفنادق العام الماضي، إذ تأخر التلفزيون الاردني في بث الخبر بينما كانت الفضائيات تنقل المعلومات. يومها لم يكن التأخر بسبب تقصير من طرف ادارة المؤسسة او موظفيها، بل لأن الجهات الرسمية رفضت اعطاءها اي خبر الا بعد حوالي ساعتين. وهكذا شتم الناس التلفزيون فيما كان التقصير من جهات اخرى.
من حق الحكومة ان يكون لها اعلام رسمي، من اذاعة وتلفزيون ووكالة انباء وصحف، ما دام القانون يعطي للقطاع الخاص حق امتلاك كل هذه الوسائل، لكن التحدي باتجاهين: ادارة مرجعية قادرة على جعل هذا الاعلام يخدم الدولة، وقدرة على التنافس والاستمرار.
لم يقدم ابراهيم عزالدين استقالته احتجاجا، فهو من الشخصيات التي لا تبحث عن اضواء او ضجيج، لكن تجربته في المجلس جزء من قصة الاعلام الرسمي الذي ليست مشكلته في الكفاءة او عجز اهل الميدان، بل في الرؤية العامة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة