تقرير مجلة الايكونومست عن تكاليف المعيشة على مستوى العالم، والذي قدّر أن عمان هي أغلى عاصمة عربية، يدفع إلى ضرورة وجود حوارات ونقاشات وطنية جادة وحقيقية حول الحالة الاقتصادية في البلاد، من خلال رؤية إصلاحية جديدة تخرج على الوصفات الجاهزة القادمة من المؤسسات الدولية والتي أدت إلى عاهات مستديمة في حالة الاقتصاد الوطني لم يعد يجدي إخفاؤها أو التستر عليها، فقد بدت واضحة للعيان من خلال كافة تفاصيل حياة المواطنين اليومية.
لا يعني هذا عدم الاعتراف بأن هنالك انجازات حقيقية تمت؛ ففي العام 2006 بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 6.4%، وارتفع متوسط دخل الفرد من 1235 دينارا العام 2000 إلى 1805 دنانير العام 2006، وهنالك نمو واضح في العديد من القطاعات الاقتصادية، لكن ذلك كله يصاحبه خلل بنيوي حقيقي يتمثل في جوانب كبيرة خلقت تداعيات اجتماعية وثقافية سلبية كبيرة على طبقة عريضة من المجتمع، أدت في المقابل إلى زيادة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع شديد في تكلفة المعيشة، وعدم قدرة هذه الطبقة العريضة على ملاحقة التحولات الاقتصادية، ما عزز من تجذر الشعور بالحرمان والعجز والإحباط، وهي مشاعر، فضلاً أنها تعكس واقعاً اقتصادياً سيئاً، خطيرة إذ تعزز من رصيد ظواهر الاحتجاج الاجتماعي على المستوى السياسي والمستوى الأمني كذلك.
بالعودة إلى المؤشرات الاقتصادية؛ فوفقاً للتحليل الذي أعدته الزميلة رشا طبيلة في "الغد"(ملحق سوق ومال، 6 حزيران تعليقاً على تقرير الايكونومست)، يحيل المراقبون والمتخصصون الغلاء الفاحش إلى عوامل متعددة في مقدمتها الارتفاع الشديد في أسعار المحروقات التي زادت أثمانها بنسب تتراوح بين70-100% خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار العقار، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف السكن التي يقدرها هاني الخليلي، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة عمان، بحدود50% من دخول المواطنين، فيما ترى تقارير دولية أنها تصل إلى 28% وتعدها مرتفعة مقارنة بمستوى الدخل الفردي.
أول الملاحظات على المسار الاقتصادي تتمثل في غياب التوازن بين نمو الناتج المحلي وبين حصة الفرد منه، فعلى الرغم من ارتفاع حصة الفرد، مقارنة بالسنوات الأخيرة، إلاّ أن ذلك توازى مع ارتفاع شديد في الأسعار إذ قفز معدل التضخم من 3.5- 6.3%، ما انعكس على انخفاض القيمة الشرائية للدينار.
الملفت للانتباه هو أنّ قوانين العمل الحالية لا توفر حصانة حقيقية للعمال والطبقات المهمشة، لا على مستوى الأمان الوظيفي أو الحياتي، ولا على مستوى الحدود الدنيا للأجور. وثمة ملاحظات جوهرية على عملية توزيع الضرائب؛ إذ يشير المحلل الاقتصادي د. مازن مرجي، في تقرير "الغد"، إلى أنّ الضرائب تشكل25% من إجمالي دخل المواطن.
على الطرف المقابل، يبدو موظف القطاع العام هو الضحية الأولى لهذا الغلاء، فبينما كانت تمثل الوظيفة العامة في العقود السابقة، الحصانة الرئيسة لأصحابها من غائلة الفقر والبطالة وتجعلهم العمود الفقري للطبقة الوسطى في المجتمع، وتمنحهم ميزة التأمين الصحي والتعليمي(لشريحة من موظفي القطاع العام) أصبح عموم الموظفين في القطاع العام ضمن شريحة الفقراء الذين لا يزيد متوسط دخلهم الشهري على الخمسمائة دينار، والذين لا يملكون القدرة على تأمين متطلبات الحياة لهم ولأسرهم، ما أدى إلى مشكلات كبيرة لم يكن الأردن يعاني منها سابقاً، وأحد أمثلة ذلك نتائج استطلاع لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية حول الفساد، إذ أشار إلى أنّ هنالك تناميا في شعور المواطنين بانتشار "الرشوة"، وترى نسبة تقارب50% أن سبب الرشوة في القطاع العام هو الفقر، في حين كان الأردن يتميز على العديد من الدول العربية باحترام الموظف العام ومكانته ما يتناقض مع السمات النفسية التي تفرضها ظاهرة الرشوة وليس أقلها الابتذال والتلاعب.
تكمن الخطورة الحقيقية في أنّ انخفاض الدخل في القطاع العام يصيب مجالات حيوية في الدولة بالعطب والخلل على المدى القصير، ويؤدي إلى انهيارها على المدى البعيد. فقد تحول قطاع المعلمين والوعاظ والأئمة، وبدرجة أقل أطباء القطاع العام، إلى طبقة من المهمشين ذوي الرواتب المنخفضة، ما خلق حالة من الترهل الشديد بدت واضحة في هذه المؤسسات الحيوية في السنوات الأخيرة. ويمكن ملاحظة تدهور القطاع العام من خلال نسبة الاستنكاف العالية من الكفاءات عن امتحان ديوان الخدمة المدنية في العديد من التخصصات، مع أن القطاع العام لا يزال هو القطاع الرئيس الذي يقدم الخدمات الأساسية للطبقة العامة التي لا تملك كلفة الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص.
خلاصة القول: ثمة ضرورة ماسة لإيجاد معهد للسياسات العامة يشرف عليه خبراء ومتخصصون يقوم بتقديم قراءة نقدية للأحوال المختلفة، وفي مقدمتها الظروف الاقتصادية، والسبل الممكنة لإصلاح برامج "الإصلاح الاقتصادي" قبل أن يصبح أمر الإصلاح عسيراً ومتأخراً للغاية، ونجد أنفسنا أمام كوارث اجتماعية ناجمة عن الاختلالات الاقتصادية!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد