اسوأ انواع الذاكرة هي ذاكرة اللحظة الوحيدة، او تلك التي يثبت المشهد فيها على صورة واحدة. لكن الامم والشعوب الواعية لها ذاكرة متواصلة، ذات قيمة تقويمية. ولعل من الضروري، ونحن ما نزال في اجواء العدوان الصهيوني الاخير على لبنان، ان نشاهد كل الصورة، وتحديدا قرار مجلس الامن رقم 1701
فالقرار هام جدا، وسيحمل المنطقة الى مفصل جديد، فارضا قيودا لم تكن موجودة قبيل اسر الجنديين في 12 تموز الماضي، وهي العملية التي قال عنها قائد المقاومة اللبنانية، حسن نصرالله، بشجاعة انه لو احسن تقدير اثارها لما كان امر بالقيام بها.
فالمرحلة التي حملت صمودا بطوليا للمقاومة، والحاقا للرعب والاذى بالمجتمع الصهيوني، حملت في نهايتها القرار 1701 الذي أوقف الحرب، ووافقت عليه القوى اللبنانية، وفي مقدمتها حزب الله، وتحمس له العرب، وقبلت به سورية وايران. لكن هذا القرار فتح الباب امام قضية جديدة، ومرحلة اخرى تمثل في جوهرها انتصارا حقيقيا للعدو الصهيوني؛ وما فشلت به طائرات الاحتلال سيأتي به القرار! ونذكر انفسنا بما تم حتى الان من نتائج للقرار:
1- تم سحب قوات المقاومة واسلحتها من جنوب لبنان. والاهم ان وجود المقاومة في الجنوب اصبح من وجهة نظر لبنانية، عبّر عنها وزير الدفاع اللبناني، خروجا على القانون والسيادة، بل و"خيانة للدولة، واعطاء مبرر لاسرائيل"! وقد لا يمر وقت طويل حتى يفتح النقاش حول مستقبل سلاح حزب الله.
2- فرضت اسرائيل مناطق مأهولة بالقوات الدولية والجيش اللبناني، للحفاظ على هدوء الجبهة اللبنانية، وتحويلها الى مثيلتها الجبهة السورية؛ والأمر الذي يراه بعض اللبنانيين امرا طبيعيا، وحقا من حقوق الدولة.
3- ثم استبدال الحصار الاسرائيلي، برا وبحرا وجوا، بحصار دولي تتولاه القوات الدولية، اي ان الحرب ادخلت لبنان تحت التفتيش الدولي، لمنع دخول اي سلاح إلى حزب الله. وهذا يعني آليات وضمانات لن تقوم بها اسرائيل، فتتحمل ثمنها ويقال انها عدوان وحصار، بل سيتولى تنفيذها المجتمع الدولي على قاعدة تطبيق قرارات الشرعية الدولية. ولهذا، كان نوعا من السذاجة ان يستغرب البعض الحصار الاسرائيلي وكأنهم قادمون من الفضاء، فالحصار احد استحقاقات العدوان، ولم تنهه اسرائيل الا بعد ان وافقت او بدأت القوات الدولية بممارسة الحصار.
4- اما قضية الاسرى فقد خرجت خارج القرار، وتحولت الى محل وساطات دولية. اي ان القرار لم يجد حلا مباشرا لها. ولدى حزب الله جنديان صهيونيان، ولدى قوات الاحتلال الاسرى الذين كانوا قبل العدوان، اضافة لمن اسرتهم من مقاتلي حزب الله خلال العدوان، والتفاوض حول الاسرى سيكون خاضعا لموازين القوى بعد (12) تموز. فالمهم ان القرار لم يتعامل مع القضية باعتبارها ركنا اساسيا.
علينا ان لا ننسى هذه الاثار للقرار 1701 حتى نرشّد احكامنا، ولا نخلط بحسن نية ورغبة في الانجاز بين الصمود والانتصار. وقد لا يقل القرار الأخير في اثاره عن تلك التي نتجت عن القرار 242 الذي جاء بعد هزيمة حزيران 1967، إذ شرّع هذا القرار الهزيمة، واعطى لاسرائيل انتصارا جديدا حينما نص على الاعتراف بحقها في الوجود على اراضي العرب التي احتلت في حرب 1967، وكانت اول دولة وافقت عليه مصر بنظامها الثوري. لكن استغفال الشعوب دفع إلى العودة من قمة الخرطوم بعد عام فقط باللاءات الثلاث، التي منها رفض الاعتراف والتفاوض مع اسرائيل، لتأتي أيضا مبادرة روجز في العام 1970 فتحمل اعترافا جديدا باسرائيل، وافقت عليه الدول العربية المؤثرة!
حين نقيوم المراحل يجب ان نكون صادقين مع انفسنا، بعيدين عن المبالغة او صناعة الوهم؛ فإذا كان القصف الصهيوني قد دمر لبنان وقابله صمود من المقاومة، فإن القرار 1701 يحقق لاسرائيل انتصارا كبيرا، يتكامل مع نصوص القرار 1559 الذي أخرج سورية من لبنان، وكان يحاول نزع سلاح حزب الله واخراجه من الجنوب. وما لم يطبق من القرار الاول تحقق وبشكل اكبر في القرار 1701. فالنصر ليس اغنية او خطابا، بل وقائع وحقائق، والمنتصر هو من يفرض شروطه.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة