في السابق عندما كان مسؤول محلي رفيع، مثل رئيس مجلس قروي، يريد ممارسة نفوذه لخدمة احد المحسوبين عليه، وان يهدر المال العام، كان يطلب من الموظف الوحيد، ربما في المجلس، وفي لقاء سري، ان يشتري كيلو السكر واوقية الشاي المخصصة للمجلس من دكان فلان، وحتى لا يتهم بالفساد والمحسوبية كان يقدم للموظف اسبابا موجبة بان صاحب الدكانة عنده "سكر ابيض" وان غيره سكره احمر او فيه نمل. واذا اراد ذلك المسؤول ان يمارس "الفساد" فانه يشتري "نص دزينة كاسات الشاي"، من الدكانة نفسها، طبعا هذا كله قبل ان تبعث الحكومة لمجلس النواب حزمة قوانين النزاهة من ديوان المظالم واشهار الذمة المالية وهيئة مكافحة الفساد وقانون غسل الاموال.
ما دمنا في سياق الحديث عن الغسل، فقد كان المسؤولون يمارسونه لكن ليس للاموال، ولكن للثوب والمنديل "الحطة"، عندما تكون هناك مناسبة للقاء مسؤولين كبار، او اذا جاءت كاميرا تلفزيونية لتصوير القرية والشجر وخبز الشراك. لكن مع تطور الزمن اصبح المسؤولون الجدد يمارسون سياسة لا تختلف عن الغسل السابق، عبر شركات الدعاية والاعلان، ولهذا ليس غريبا ان نسمع او نتوقع ان مسؤولا يذهب الى احدى هذه الشركات، ويطلب منها تدريبه وتعليمه، قبل ان يظهر على برنامج تلفزيوني لمدة (10) دقائق، طبعا هذا التدريب قد يكلف الكثير من الاف الدنانير، لكن هذا المال لا قيمة له امام الصدى الإعلامي، الذي ستتركه مقابلة هذا المسؤول العادي، التي قد لا يشاهدها الا عدد قليل من الاردنيين.
الحمد لله ان مثل هؤلاء لا يحملون ملفات ضخمة او مسؤوليات كبيرة، ولو كان احدهم مثل علي لارجاني مسؤول الملف النووي الايراني لكلف الخزينة اكثر من تكلفة انتاج الماء الثقيل. فالمسؤول الذي لا يثق بقدرته على الحديث عشر دقائق، ويعتقد انه بحاجة الى تدريب وانفاق الالاف حتى يقبله الناس يكون في داخله مشكلة لا علاقة لها بما تقوله الحكومة عن الشفافية في اختيار المسؤولين واللجان التي تعمل وهي "مغمضة" حتى لا تقرأ اسماء المرشحين ولا تتأثر بنَسب هذا او نفوذ ذاك او اسم اب او ام او زوجة مرشح اخر.
الرئيس الاميركي جورج بوش يستعين في بعض خطاباته او ظهوره الإعلامي بمخرجين من هوليوود حتى يقدموه للرأي العام على احسن صورة، واذكر انه عندما جاء الى شرم الشيخ قبل سنوات وعقد اجتماعا موسعا مع عدد من قادة العرب، كان هؤلاء المخرجون السينمائيون هم من اختاروا مكان المؤتمر الصحافي، وان يكون البحر خلفه، وقرروا كيفية حضور الرئيس والى اين ينظر، وما هي المصطلحات التي يستخدمها، لكن هذا رئيس اميركا، وليس عطوفة او سعادة فلان.
موضة شركات الاعلان اصبحت جزءا من العمل السياسي والعام خلال السنوات الماضية. وهذه الشركات تتقاضى عشرات ومئات الالاف، ربما اكثر من ذلك، نظير كل جملة، ومن حق اي شركة ان تضع لنفسها اسعارا كما تشاء وفق منطق السوق.
المؤسسات الرسمية استعرضت في اساليب الاعلام حتى ظهرت بعض القضايا السياسية والرسمية وكأنها حملات اعلانات، فبعد حملة اعلانات "الاردن اولا" جاءت حملات اخرى مثل حملات ترويج استراتيجية المجلس الاعلى للشباب، ومؤخرا بدأنا نرى اعلانات ضخمة لدائرة الجمارك، ولا ندري كم هي تكلفة الاعلانات، والاهم ما هو مردودها؟ فشعار "لندعم الخزينة" لمن يوجه؟ للناس الذين لا يهربون الا بضع كروزات دخان او سشوارا ام إلى محترفي التهريب الذين يستفيدون من التهريب سواء من الكبار او تجار اخرين؟ فمثل هذه الاعلانات لا قيمة لها ولا تأثير الا في اذهان من يعتقدون بأن اعلانات الشوارع تصنع انتماء او فكرا ورأيا عاما.
التسويق والترويج للمؤسسات والشعارات والافكار علم، وكما يقول اهل الخبرة في الانتخابات، فان اقل الوسائل تأثيرا في المناخ هي اليافطات والاعلانات، وتوفير ايرادات للخزينة من مكافحة التهريب لا تخدمها لوحات اعلانات، كما ان صناعة الانتماء وتشكيل قناعات وطنية لا تحتاج ان يذهب المواطن الى طريق المطار ليقرأ من شباك باص مادبا أو الطفيلة امن الاردن اولا، او ان التهريب ضد اقتصاد الاردن.
اصبح سهلا ان يفكر البعض باحالة عطاء بعشرات الالاف الى شركة علاقات عامة لتأهيل موظفي مؤسسة ليكونوا قادرين على استقبال الجمهور او التعامل مع الصحافيين.
كل هذا لا يختلف في جوهره عن عمليات المكياج، لكن مهما كانت حرفة المزين عالية فلن تصنع قيادات ولا مسؤولين ولا عملا منتجا، وابرز ما في هذه العلميات فواتير التجميل او التأهيل او الاعلان لا فرق، فالحكاية واحدة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة