اذا كانت لديك نافذة او "بلكونة" تطل على الشارع الرئيس، وتستطيع ان تشاهد منها حاوية للنفايات، فإن بإمكانك بالتالي ان تصحو مبكرا وتشاهد تجارة من نوع خاص. فالحاوية، وبخاصة اذا كانت في مناطق سكانها من اصحاب النفايات "المحرزة"، تمثل هدفا لتجار ذاك النوع.
راقب الحاوية وستجد ان اكثر من سيارة "بكب" تقف عندها، ليقفز من السيارة شاب او اكثر يلقون نظرة على محتويات الحاوية، ويقيمون مدى اهميتها، ثم يختارون منها ما يعتقدون انه يصلح للبيع. وما ان يذهب البكب حتى يأتي آخر! ولدى هؤلاء التجار خبرة تجعل احدهم لا يضيع وقتا حتى يكتشف ان غيره قد سبقه اليها، ما يشير الى انها تجارة رائجة، ذات مردود على اصحابها.
تجارة مشروعة من حق اي كان ان يمارسها، وتعبر عن رغبة في ابداع كسب المال والوصول اليه، الأمر الذي يحسب لهؤلاء التجار الذين يبدو عليهم بذل الجهد وهم ينتقلون مبكرين من حاوية إلى أخرى، لأن عامل الوقت مهم، إذ يخشون ان تسبقهم سيارات الامانة التي تفرغ حمولات الحاويات.
حين ترى مثل هذه المشاهد يخيل اليك ان هؤلاء من الفقراء الذين يبحثون عن بقايا الطعام. واتذكر في احدى جلسات الثقة لحكومة سابقة، ان نقاشا حادا وخلافا وقع داخل المجلس النيابي بعدما اشار احد النواب الى ان الناس يأكلون من الحاويات من الفقر والحاجة. وربما يكون من رأى مثل هذه المشاهد كون قناعة وانطباعات بأن هؤلاء يبحثون عن طعام، وهو انطباع مباشر لأن من يشاهد التجار يمارسون "التنبيش" في الحاويات يشعر بشغفهم وحاجاتهم، لكنها حاجة التجارة وشغف التجار والسعي للبحث عن المال، بما يولد نشاطا وحيوية قد تخدع المشاهد، او من يرى المنظر لمرة واحدة او اولى.
طبعا لو ان احدنا يمارس هذه التجارة لن يذهب الى حاويات المناطق الفقيرة، لأنه لن يجد فيها شيئا يصلح للبيع او الشراء، فالاختيار في معظمه للمناطق التي لديها ما ترميه. وهذه التجارة تحتاج الى قدرات في اختيار ما يمكن الاستفادة منه، ثم هناك ضرورة لفرز المواد التي يتم الحصول عليها. وقد يرمي احد الناس شيئا او قطع اثاث، فتجري صيانتها بعد بيعها من التاجر، وتصل الى بيت اخر لا يستطيع شراء الجديد. وهكذا، فإن هذه التجارة جزء من دورة الاقتصاد داخل الدولة، وفيها اعادة استفادة من مواد قابلة للاستغلال مرة بعد مرة؛ انها عون للبيئة!
قبل ايام، تلقيت اتصالا من سيدة كريمة من منطقة جبل الحسين تقول ان لها وجيرانها تجربة مريرة؛ فهم يشترون "برميلا" بلاستيكيا لوضع القمامة فيه لأن الحاوية بعيدة، وحتى لا تتراكم النفايات امام البيوت، لكن هذا البرميل يتعرض للسرقة. وبعد عدة مرات من اختفاء البرميل، قررت هذه السيدة ربط البرميل بجنزير إلى الشجرة. وهنا قام من يسرقون البرميل بقطع الشجرة لغايات الحصول عليه! طبعا ليس بالضرورة ان يكون أولئك "التجار" هم من يفعلون هذا، لكنها تربط بين الامرين من باب الاستنتاج، وهي تبحث عن حل يمكنها من خلاله ان تأمن على برميل النفايات الذي يتم شراؤه على حساب الناس من اجل نظافة المكان.
تطور المجتمعات لا يجعلها فقط تبتكر الاختراعات او تحوسب التعليم، لكنه يعطي لهذه المجتمعات أيضا اساليب جديدة في البحث عن الرزق وتأمين متطلبات الحياة، وهذا يجعل من هذه الفئات المكافحة محل تقدير ما دامت تحصل على رزقها بوسائل مشروعة، وتأكل لقمتها بالحلال.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة