نظريا، فإن واجب القيادات الدينية للمسلمين او المسيحيين هو المحافظة على حالة توازن واعتدال في العالم؛ فدور هذه القيادات يتجاوز كونها مرجعية لاتباعها، إلى لعب دور صمام الامان، لا سيما حين تنشب او تبدأ اي ممارسة غير سوية، من خلال نزع الفتيل وتخفيف الخسائر، وأن تمارس هذه المرجعيات عمليات تجسير للعلاقات، واطفاء لأزمات العالم، وإنصاف للمظلومين، والوقوف الى جانب القضايا العادلة في الكون، بغض النظر عن دينها وعرقها.
البابا ليس رجل دين مسيحي ومرجعية دينية لابناء طائفته من المسيحيين فحسب، بل هو مرجعية دولية. ولهذا، فعندما يصدر عنه حديث يسيء إلى دين او نبي يكون معنى ذلك اننا امام مشكلة في منهجية العمل والتفكير والاولويات. والبابا يعلم ان حديثه الذي اثار غضب العالم الاسلامي يستهدف دينا وامة كبيرة، والاهم علمه ان اجواء العالم لا تحتاج الى ما يبعث فيها الغضب، كما أن التطرف الذي يجتاح العالم من اتباع ديانات مختلفة لا يحتاج الى تأجيج او حتى كلام يحتمل التفسير الرديء، بل الحاجة هي الى ان يحترم الجميع حق الجميع في اعتناق الدين الذي يختارون، فلا يساء الى اي رموز دينية، فكيف عندما يكون الامر متعلقا بأنبياء كرام، وجوهر العقيدة والدين!
من المؤكد ان البابا سمع بأزمة الرسوم الكاريكاتورية التي اثارت غضب العالم الاسلامي وغضب المسلمين، بإساءتها إلى الرسول الكريم، محمد عليه الصلاة والسلام، ولمشاعر المسلمين؛ ويعلم البابا ايضا ان تلك الرسوم جاءت في مرحلة يشعر فيها المسلمون انهم محل استهداف، وان القوى الكبرى تستهدف قضاياهم التي هي قضايا العرب من غير المسلمين، سواء على المسار الفلسطيني او العراقي، ويضاف إلى ذلك العدوان الاخير على لبنان. ويدرك البابا ان العالم الاسلامي يشهد قناعات متزايدة بأن ما يجري هو صراع حضارات، وان الادارة الاميركية التي تقود حالة الظلم لقضايا الدول الضعيفة، بما فيها الامة العربية، تحركها قناعات دينية غير سوية. كذلك، يعلم البابا ان في العالم الاسلامي نشاطا واسعا لحكومات وهيئات رسمية وشعبية لمواجهة التطرف الفكري او العملي الذي تمارسه بعض فئات في العالم الاسلامي، وان جهدا كبيرا يبذل لتعزيز ثقافة الوسطية والاعتدال، ونبذ التطرف ايا كان مصدره ودينه ودوافعه.
يعلم البابا كل هذا، ولهذا كان واجبه ان يكون عونا للمسارات الايجابية، وان يعزز حالة الاعتدال، وان يكون جزءا من الحرب على التطرف في كل الامم والاديان، وان يسعى إلى اكتساب مصداقية لدى العرب، مسلمين ومسيحيين، ولدى المسلمين جميعا، بأنه مرجعية للفكر المعتدل والمواقف الايجابية، وانه صوت لردع اصحاب الاتجاهات المتطرفة وحالات الاساءة لأي دين، وفي مقدمها الاسلام. وكان واجب البابا أن يدرك الاثار السلبية التي تركتها ازمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام، وحالة الشعور بالظلم في العالم العربي والاسلامي من سياسات متطرفة تمارسها دول كبرى، واحتلال يجثم على ارض عربية واسلامية، ومئات الالاف من الضحايا، وان يعلم ان اصواتا وجهات متطرفة في الغرب تمارس تمييزا عرقيا ودينيا ضد العرب والمسلمين، وان هذه الاصوات تحتاج الى من يردعها ويخفف من تأثيرها، لا الى من يشعرها -بقصد او من دون قصد- ان ما تفعله امر ايجابي، وله جذور دينية في نصوص او مواقف مرجعيات.
العالم لا يحتاج الى مزيد من اسباب التطرف الفكري والكلامي، والارهاب ممتد من ارهاب  الدبابات والقتل، الى إرهاب السيارات المفخخة؛ فالتطرف والإرهاب لا يحتاجان الى مزيد من الرعاية والاحتضان، بل الى من يواجههما. وايا ما كانت نوايا البابا فيما قال واعتُبر اساءة للاسلام وللرسول عليه الصلاة والسلام، فإن هذه التصريحات والمواقف كانت خدمة كبيرة لمسارات التطرف والارهاب في كل مكان من العالم وفي كل الاديان، وافقدت هذا الموقع الديني المسيحي الهام مكانته المرجعية، ليدخل في الحالة السلبية التي يعيشها العالم.
ليس المطلوب ان يعتذر البابا، بل ان يدرك ان لما قاله اثارا سلبية في عدة اتجاهات، وان الاعتذار او التوضيح غير المباشر لن يعالج كل الاثار، لأن ما صدر كان من جهة هامة جدا، وليس من صحافي او رسام كاريكاتور، او من بندقية متطرف!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة