من حق الحكومة ان ننصفها، وأن نقدر لها قيامها بإحالة بعض الملفات التي تلاحقها شبهات التجاوز والفساد الى القضاء مثل ملفات المغنيسيا، واتحاد الجمعيات الخيرية، وملف لقضية اقتصادية، وملف جمعية المركز الاسلامي الذي رحب الاسلاميون بإحالته إلى القضاء تبيانا للحقيقة.
إحالة هذه الملفات خطوة ايجابية على طريق اثبات الحكومة لنواياها محاسبة الفاسدين. ومع ان الملفات لدى القضاء، وهو صاحب الولاية على نفسه، فإن الناس ستنتظر قرارات المحاكم؛ وايضا ان تكون المحاكمات وفق ترتيب زمني يتناسب مع ترتيب الاحالة على القضاء. فالملف الاول المغنيسيا هو ملف ناهز عمره سنين وحكومات، وميزة اي حكومة ان تحسمه في عهدها، لأنه ملف يتعلق بملايين كثيرة، وادارة لمشروع من مال وطني. وليس مهما بالنسبة للأردنيين من تتم ادانته، لكن ان تكون النتائج مقنعة، وأن يدفع كل مسؤول في هذا الملف ما عليه من مسؤولية؛ فالقضية لا تنحصر بمن استفاد ماليا، بل أيضا بمن لم يستفد لكنه علم بالخطأ فسكت عنه، ومرر واقعا رديئا على حساب الاقتصاد الاردني والمال العام.
وإحالة الحكومة ملف المغنيسيا الى القضاء يعني قناعتها، بعد تحقيق ودراسة، ان هناك ما يكفي من ظروف تتطلب تحويل القضية إلى القضاء الذي له كل الاحترام والتقدير، فهو صاحب الصلاحية في حسم الأمور، بادانة المسؤول وتبرئة من لاعلاقة له.
وبغض النظر عن مضمون حزمة مشاريع قوانين مكافحة الفساد التي أحالتها الحكومة إلى مجلس الامة، مثل هيئة مكافحة الفساد وغسيل الاموال، فإن القيام بهذا حكوميا امرا ايجابي. وإذا كانت بعض القوانين قد تمت احالتها في حكومات سابقة، تظل ايجابية الحكومة تحسب لها.
وحتى تكتمل الصورة، فإن المطلوب من الحكومة هو اكثر مما سبق. فالفساد ليس في المغنيسيا واتحاد الجمعيات وشركة اقتصادية فقط. وليس على الحكومة ان تثبت للأردنيين قدرتها على اقتلاع الفساد من كل مكان، فهذا امر قد يكون صعبا، لكن المهم ان تثبت جديتها ومثابرتها، والاهم ان لا يكون الامر انتقائيا، فإحدى مشكلات الحكومات اعتقاد أكثرية الناس انها تطبق المثل الشعبي "محمد يرث ومحمد لا يرث"؛ اي فاسد يتابع ويخضع للمساءلة وآخر "تفشق" الحكومات عنه. ومن ثم، فإن على هذه الحكومة، فيما تبقى من عمرها المديد، ان تثبت للأردنيين ان معيارها واحد، فلا تغمض عيونها عندما تريد، وتفتحها متى تشاء.
ما نقوله لا يعني ان كل مسؤول سابق او عامل فاسد؛ او ان مؤسساتنا متخمة بالسرقة وخرق القوانين والتجاوز، لكن ما هو محل اجماع من الجميع هو ان هناك فسادا، والدليل ان كتب التكليف للحكومات، كما بيانات الحكومات امام البرلمان، وحديث النواب والاعلام والاحزاب والمسؤولين السابقين، كلها تتحدث عن ضرورة مكافحة الفساد؛ اي ان هناك فسادا. وهذا يعني ضرورة ان يرى الناس جهدا ملموسا في مكافحته، وإلا فاننا جميعا اما لا نحارب الفساد، او نتحدث عن شيء غير موجود!
وعلى الحكومة ان تتحمل ما فعلته حكومات سبقت؛ فليس مهما ضبط الفساد فقط، بل ان تكون عقوبته متناسبة مع مستواه؛ فتفصيل العقوبات امر ليس مقنعا، وهو اشبه بتجاهل الفساد! والعقاب الطبقي الذي يعطي للبرجوازيين احكاما مخملية وللطبقة الكادحة احكاما وفق القانون النافذ، كل هذا لا يخدم المصداقية، حتى لو اكثرنا الغناء وراء هذه القضية او تلك.
اذا كان الفساد فقط في الملفات الاربعة التي احالتها الحكومة إلى القضاء، فهذا يعني اننا دخلنا مرحلة جديدة، وحققنا نصرا؛ اما اذا كان هناك غيرها، فالناس تنتظر، لكن بشرط ان تصل يد الحكومة اصول الفساد وجذوره ورموزه. ونشكر الحكومة على ما فعلت، لكن بشرط ان لا يكون هذا علاقات عامة، والحد الفاصل هو في ان يكون الجهد مستمرا ولا يترك فسادا ولا يستثني اي مفصل.
ننتظر، بخاصة وأن صورة الرئيس حتى الآن هي انه اقرب الي الطبقة المتوسطة او الفقيرة، وليس من اهل التجارة والعمولات والتصفيات.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة