الاردن ليس دولة نفطية ولا غنية. نحن دولة تعاني من مشكلات اقتصادية، والعالم حولنا مضطرب والمساعدات لم تعد كما كانت، والنفط يرتفع بشكل غير منضبط، كل هذا لم يعد سرا، وهذا جزء من معطيات الاقتصاد والسياسة الاردنية. لكن من حقنا كأردنيين ان نحلم بان نصل الى مرحلة نحقق فيها هدفا ليس مستحيلا، وتحقيقه احد معايير نجاح الحكومات بل الدولة في بعض ما تقوله عن سياسات الاصلاح الاقتصادي والتحول الاجتماعي.
ما نحلم به ليس تحويل الاردنيين الى اثرياء، او كما تحول البعض من ابناء طبقة متوسطة الى اصحاب قصور وبيوت في الخارج وارصدة واساطيل سيارات، بل ان نصل الى مرحلة تختفي فيها مشاهد المساعدات العينية في مواسم رمضان وغيرها، وتقلُّ فيها حملات البر والاحسان وتوزيع الارز والسكر والسمنة والزيت، والاهم من ذلك ازالة ثقافة "الصدقة الرسمية"، ويكون المواطن بدلا من هذا قادرا على شراء حاجاته الاساسية ومتطلبات الحياة، ويحصل على عمل ودخل منتظم.
ندرك ان هناك فئات من الفقراء ستبقى بحاجة الى العون والمساعدة، وان نسبة من اصحاب الحاجة والظروف المعيشية والصحية لا يمكنهم الانتقال من اوضاعهم الحالية الى ما هو افضل. لكن المشكلة ان مسار المجتمع يوسع فئات المنتظرين لشاحنات و(بكبات) المساعدات والصدقات. وهناك البعض ممن لا يحتاج، لكن تسابُق الجهات الرسمية والشعبية على توزيع المساعدات يصنع ثقافة "مد اليد"، واحيانا يعلم البعض، حتى وان كان قليلا، لهجة التذمر والمسكنة والتسول على شاشات التلفاز، وفي زوايا الصحف التي تتحدث عن قصص الفقر.
على الحكومات ان تضع بين عينيها انه كلما زاد عدد حملات المساعدات ومصادرها، كانت هذه المشاهد دليل ادانة لكل من تولوا المسؤولية. فليس مصدر فخر للدولة ان يتسابق الناس على ابواب الشاحنات، او لحمل الكراتين والشوالات، فواجب الدولة ليس تنظيم هذه الحملات، بل صناعة اقتصاد وتنمية.
في كل عام مواسم لتوزيع المعونات، وهناك تسابق وتنافس في التوزيع، وكل هذا، سنويا، حسنة وحرص على تخفيف معاناة الناس. لكن هذا لا يحل مشكلة، وما يجب ان تبحث عنه الدولة ان تقلل ما امكن هذه الحملات لصالح قدرة المواطن الفقير على ان يشتري من عرق جبينه ومن عمله.
وحتى تلك الخيام الرمضانية التي تتبرع بها الشركات وجهات الخير لتقديم الوجبات فانها مشاهد مؤذية، رغم نويا اهلها الحسنة وجهدهم المشكور.
في مجتمعنا حديث عن ثقافة "الكرتونة"، اي الشهادة، واننا جميعا نحرص على ان نتعلم او نعلم ابناءنا ليحملوا "الكرتونة"، حتى وان كانت فرص العمل محدودة للجامعيين. لكن الجديد هو ثقافة كرتونة المساعدات والصدقات، التي نتمنى ان نستبدلها بثقافة جديدة. فالقوافل المتتابعة من المساعدات من كل صوب ليست دليل عدم نجاح السياسات الاقتصادية فحسب، بل انها تترك آثارا على كرامة المواطن ومنظومة قيم المجتمع.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة