قبل شهور، نظم صندوق المعونة الوطنية ورشة في احد فنادق البتراء ووادي موسى، وكان مفرحا وجميلا ان تجد العاملين في ذلك الفندق اردنيين من شباب من المنطقة. وعندما سألت هؤلاء الشباب المكافحين الجادين قالوا إن كل فنادق المنطقة يعمل فيها اردنيون، وانهم خضعوا لدورات تأهيل.
القصة لها جانبان؛ الاول سلبي، وهو ان بعضهم يعمل في فنادق اقيمت على ارض ابيه او جده، فبدلا من ان يكون مالكا تحول الى موظف براتب في حدود 100 دينار، ولو حظيت تلك المناطق برعاية تنموية تاريخية من قبل الحكومات لما كان خيار ابنائها وشبابها اما وظائف الفئة الرابعة والمياومة في مشاريع وزارة الزراعة والاشغال، او صندوق المعونة واستقبال "كراتين" المساعدات وشوالات الارز والسكر والزيت! اما الجانب الايجابي، فهو تجاوز حالة الحرج التي كان يسببها العمل في الفندق وتقديم الخدمة للسياح، لأن جزءا من عقلية بعض فئات مجتمعنا هو المحافظة على مكانتها حسب تعريفات مجتمعية خاطئة، ولو لم يكن يأتيها دخل، وليس لديها اساسيات الحياة!
وخلال الاسابيع الماضية، اتيح لي ولكثيرين مشاهدة العشرات من الشباب الاردني الذين يقومون بالعمل في مجال العمل الفندقي، سواء بتقديم الخدمة في ملتقى كلنا الاردن في مركز الملك الحسين للمؤتمرات، او في الفنادق الموجودة في المنطقة. وكل العاملين شباب في بدايات عمرهم، لكنهم يعملون بابتسامة وحماس ومهنية. والمفاجآة الايجابية ان نسبة منهم يدرسون في الجامعات، وعلى سوية عالية من الثقافة والعلم، وهم يعملون سعيا لاكتساب مهنة، ولتوفير مصدر دخل لهم يعينهم ويساعد عائلاتهم. ولا يشعر احدهم بالحرج وهو يقدم الشراب، او يسكب الماء في كؤوس النزلاء والضيوف، او يجمع الاطباق.
وقد يكون هذا الشباب بذات مستوى من يقدمون لهم الخدمة، لكن سبب عملهم هو المثابرة والرجولة التي فهمها هؤلاء الشباب بانها العمل وتحصيل الرزق وزيادة دخل اسرهم، او تأمين تكاليف دراستهم الجامعية. وهذه هي الرجولة، لا كما نشاهدها لدى فئات اخرى من الشباب ممن يرون الرجولة "صدورا مفتوحة" مكتظة بالقلائد، او خمورا وسجائر وموضات شعر وملابس، فينشغل هؤلاء بأنواع "البوز" للاحذية اكثر مما يجري حوله.
الفئات الايجابية من الشباب الاردني تحتاج الى تعزيز وتقدير، وما تفعله هذه الفئات هو رد على من لا يزالون يحمّلون شبابنا اعباء البطالة تحت لافتة "ثقافة العيب"، فالامور تغيرت، والناس اكثر اهتماما بأولوياتها من الاهتمام بالشكليات، لكن عملية تنظيم المجتمع هي ما نحتاجه لسد الثغرات.
اما فيما يتعلق بالفئة الثانية من شبابنا، وبخاصة بعض اهل المدن المستغرقين في غير ما يجب، فإن من الضروري ان نعيد التذكير باقتراح تفكر به بعض الاوساط، وهو ضرورة ان يلزم الشباب الاردني بخدمة علم جديدة، لكن بتفاصيل مختلفة. فالهدف هو بعث بعض الجدية في ثقافة شبابنا، والمدة ثلاثة شهور فقط وليست عامين، والمضمون تدريب عسكري وحياة جادة طيلة هذه الاسابيع، يخلع خلالها الشباب اساورهم وقلائدهم، وتختفي من اذانهم اشراقة الرقص والغناء السطحي، فيعلمون شيئا عن بلادهم، وينامون مبكرين إذ إن اليوم يبدأ من الخامسة صباحا وليس من الحاية عشرة ظهرا.
ثلاثة شهور لن تؤثر على مستقبل الشباب ولا دراستهم ولا فرص العمل، ولن تكلف الدولة الكثير، بل ستكون اشبه بمخيمات كشفية لكنها اكثر جدية وحزما، باشراف ضباط وجنود القوات المسلحة والامن العام.
الاقتراح ليس لصناعة جيش، لكن من باب التعددية في ثقافة الشباب، وليقتربوا من بعض الجدية والخشونة والرياضة؛ فالحياة ليست مغنين ومغنيات وخلويات وانترنت وافلاما وسهرا ودخانا واراجيل. اما بالنسبة لفئات الشباب من الطبقة الفقيرة والمتوسطة، فستقدم لهم هذه الفترة ايضا ثقافة جديدة، واجواء لصقل الشخصية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة