قضيتنا اليوم لا علاقة للشعب الاردني بها. فالاردنيون خارج مضمار تغيير الحكومات او تعديلها، وهم ليسوا مسؤولين عن حالة القلق التي تجتاح كل حكومة بعد شهرها الثامن او التاسع، ولا عن حالة الشغب وموجات الاشاعات والتحليلات والتوقعات التي تطلقها وتتحدث بها اوساط السياسة والاعلام، وطاولات المناسف او المطبخ اللبناني.
وما يلفت الانتباه اننا في الاردن نواجه ظاهرة قد تحتاج الى علماء نفس، وليس الى سياسيين فقط، لتحليلها وتبريرها، وهي ان كل حكومة يصبح لديها الاستعداد للرحيل والتغيير الوزاري، او على الاقل استقبال الاشاعات، وتوقع الرحيل في اي ساعة، قبل ان تكمل عامها الاول! فهل هذا يعود الى قناعة بأن الحكومة تنهي واجباتها خلال شهور؟ وهل يترتب على هذا أنه عند تشكيل اي حكومة تكون هناك عملية برمجة واستعداد نفسي بأن على الحكومة ان لا تتعب نفسها بكثير من التخطيط والتفكير الا بما "يليق" بعدة شهور؟!
وربما اصبح لدى اي حكومة مجموعة من الواجبات والمهام الروتينية، من بينها الحصول على ثقة مجلس النواب (ويفضل ان يكون الرقم قياسيا لغايات التوثيق والمنافسة)، وبعض الزيارات لمحافظات ومدن غير العاصمة، وعدد من الزيارات لوزارات ومديريات، واجتماع للمجلس الزراعي الاعلى وعدد من الهيئات التي يرأسها الرئيس! واحيانا تتاح فرصة لزيارة خارجية او اكثر، ثم استقبال استطلاع "المائة يوم" من مركز الدراسات وتبرير بعض ارقامه. ويضاف الى هذا لقاءات مع رؤساء التحرير. واذا كانت الحكومة مرتاحة تخرج اشاعات التعديل. وهكذا تمضي الاشهر المعدودة، وبين عشية وضحاها تنشغل الاجواء بحكومة جديدة تدور في المراحل ذاتها.
والسؤال: لماذا تعاني الساحة السياسية من الضجر والرغبة في تغيير الحكومات بحثا عن الجديد، رغم علم الجميع ان مواصفات القادم والحالي والسابق في اي مرحلة لا تحمل تحولات جذرية؟ انها ذات الثقافة التي تجعل بعض الشباب، وحتى الكبار، يغيرون هواتفهم الخلوية كل شهر او اثنين او اقل من ذلك؛ ثقافة اما انها غير معنية بالمواصفات، او انها وصلت الى قناعة بأنه لا جديد، ولهذا "تتسلى" بالتغيير؛ إذ تشغل وقتها بالحديث عمن يذهب ومن يأتي، ومن جاء بفلان او علان.
وقد اثبتت التجربة ان وسائل الاعلام، او بعض الكتابات التي تصاحب تشكيل الحكومات، وتقوم بالتحليل ودراسة مواصفات الرئيس ومن حوله، انما تمارس مبالغة! وهذا ينطبق على كل الحكومات. وربما ما يزال بعضنا يتذكر ما كتبه البعض عن الحكومة الحالية، والافراط بالتفاؤل، والذهاب بعيدا في تحليل شخصية الرئيس وقراءة طاقمه، ليثبت لاحقا ان الامور عادية، وأن الفرق بين حكومة واخرى لا يحمل تحولا جوهريا في مسار الدولة.
واحيانا، يأتي رؤساء يريدون الانجاز، لكنهم لا يملكون القدرة ولا الطاقم ولا الرؤية. وبعضهم يحاول استغلال شهور حكومته لتحقيق بعض المصالح، او خدمة قطاع اقتصادي، او "تزبيط" بعض المحسوبين عليه، او صناعة شلة او مجموعة تعترف له بالفضل.
الحكومة الحالية اكملت شهرها العاشر، ومنذ اشهر تلاحقها اشاعات التعديل الوزاري. ثم انطلقت إشاعات لم يظهر ما يثبت صحتها بان الحكومة لم يسمح لها بالتعديل بعدما طلبه الرئيس اكثر من مرة، ما فتح الباب امام اقاويل التغيير التي نجدها في اروقة مجلس الامة بشقيه، واحاديث السياسة والاعلام. كما ان بورصة الاسماء بدأت تذكر ثلاثة اسماء من السياسيين المخضرمين، وذهب بعضهم حد توقع موعد التغيير! وهذا الامر قد يكون صحيحا، كما قد لا يكون اكثر من امنيات واشاعات.
سواء حدث تغيير او تعديل، او استمرت الحكومة، فإننا سنبقى نحمل امنية تحدّثنا بها عندما تشكلت حكومات سابقة، وهذه الامنية ليست معجزة، بل هي انه في حال جاءت اي حكومة جديدة، فنتمنى ان تكون مدهشة ايجابيا، تثير تفاؤل الناس؛ وان يكون رئيسها وطاقمها يحملون عبر مواصفاتهم وخبراتهم ما يمكن معه توقع اضافات نوعية على مسار الدولة، وليس اضافة شخص جديد الى حملة لقب "دولة"، وتوسيع دائرة الوزراء واصحاب المعالي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة