لم يكن رئيس مجلس النواب بحاجة الى التهديد، الذي خففه الى عتب على الصحافة لانها توجه نقدا لمجلس النواب وادائه خلال الدورة الاستثنائية. فمن حق الصحافة الاردنية ان تقول رأيها، والمعيار هو الموضوعية وليس رضى المجلس او غضبه. وليس مناسبا ان يهدد المجالي باتخاذ عقوبات تشريعية بحق الصحافة عبر قانون المطبوعات، لأن هذا التهديد قدم المجلس وكأنه يستخدم سلطته في التشريع لمعاقبة خصومه. وليس مطلوبا من الصحافة ان تنافق لمجلس النواب حتى يقر قانونا يعطي للصحافة حقوقها وحريتها. لكن غضب المجلس، الذي اظهره المجالي، ليس مشكلة الصحافة، بل هو جزء من منهجية المجلس التي كانت محل نقد في هذه الدورة، او خلال ما مضى من سنوات.
فالانطباعات والقراءات المباشرة للمتابعين للدورة الاستثنائية تظهر ان هناك خللا في اداء الحكومة والنواب، ولا يغطي على ذلك العدد الكبير من القوانين التي تم انجازها خلال الدورة.
سنبدأ بالحكومة التي تقف خلال معظم النقاشات صامتة لا تدافع عن القوانين. وكان غريبا ان النواب هم من يدافعون عن بعض التشريعات، بينما الحكومة تحضر وكأنها "مراقب"، لا دفاع ولا توضيح. بل ان الحكومة تدخلت في نقاش احدى المواد الهامة، لكن بعد ان تم التصويت، الامر الذي لا يمكن فهمه؛ فلماذا لا يكون النقاش واضحا ومناسبا في التوقيت؟! مع أن التدخل بعد التصويت افضل من المراقبة والمتابعة.
سياسيا، فإن اي مشروع قانون يصل الى مجلس الامة هو مشروع الحكومة، عليها ان تدافع عنه بكل قوة. ويفترض ايضا ان اي مشروع يخرج من الحكومة يكون قد خضع للدراسة والتمحيص والنقاش، خاليا من نقاط الضعف في البنية السياسية واللغوية والقانونية، او الشبهات الدستورية، فالامر ليس ترجمة. ودور مجلس الوزراء هو النقاش السياسي والقانوني للقانون، وليس التمرير، لكن ما حدث ان عددا من التشريعات احتاجت الى جهاد نيابي للترميم وسد العيوب!
الحكومة لم تكن كما يجب في ادارة العملية التشريعية؛ والنواب سدوا بعض الثغرات، وكان على الحكومة ان تتذكر انها صاحبة مشاريع القوانين والمسؤولة عن اقناع المجلس بالاسباب الموجبة والضرورات وليس المراقبة والصمت من دون بذل الجهد. وهو ما ساهم في سرعة الانجاز وكميته، والارباكات التي شهدتها النقاشات.
ويسجل لمجلس الاعيان ممارسته خط الدفاع الاخير عن الحكومة والقضايا الهامة التي لم تنجح في الدفاع عنها، كقوانين الافتاء والوعظ والارشاد وهيئة مكافحة الفساد، إذ قام الاعيان باستدراكها واعادتها إلى مجلس النواب.
عندما تبعث اي حكومة بتشريعات الى مجلس الامة، فإن ابجديات العمل ان تقوم باقناع المجلس بها، او على الاقل الدفاع عنها في الجلسات، لكن ما فعلته الحكومة هو أنها بدت وكأنها ليست معنية بهذه القوانين، فضلا عن الخلل الذي كان في بنية بعض التشريعات على اكثر من صعيد.
اما مجلس النواب فقد انجز عددا من القوانين، بعضها لم يكن يحتاج إلا الى تعديلات بسيطة. لكن ما يؤخذ على المجلس حالة التردد او الاقرار غير المكتمل. ولهذا، بعث الى مجلس الاعيان عددا من القوانين التي تم ردها واعادتها الى النواب، فعاد هؤلاء ووافقوا على تعديلات الاعيان. فهل هذا توفير للوقت، او استدراك لمواقف لم تكن سليمة؟
ومن الواضح ان تعامل النواب ليس مكتملا، لأنهم عادوا عن مواقفهم كمجلس في قوانين هامة، مثل الافتاء والوعظ والارشاد. وربما يكون النقاش احيانا غير منهجي، كما دراسة القوانين من قبل النواب والكتل خلال الجلسات، واحيانا عدم ادراك للابعاد السياسية لبعض التشريعات. وعندما تصل الرسالة، يكون الاستدراك والتراجع والموافقة على موقف الاعيان.
قد يكون الارتباك في اداء اغلبية المجلس هو ضعف الاداء الحكومي في البرلمان، إذ يذهب النواب دون ان يعلموا ما تريده الحكومة، لأنها عاجزة عن الدفاع عن مواقفها. وعندما تأتي لحظة الحقيقة، يكون التراجع والاتكاء على موقف الاعيان.
واذا كانت الحكومة تملك اكثر من ثمانين نائبا يحملون توجهاتها وتعاني في البرلمان بهذه الطريقة، ولا تنجح في اقرار تشريعات تريدها، فكيف لو كان الحال غير ذلك؟! وقد يكون ذلك جزءا من الضعف العام الذي تعانيه الحكومة، وغياب العمل المنظم. وكما يسجل المتابعون، فرغم حضور الكثير من الوزراء، إلا أنه حضور ضعيف، واحيانا مفقود ورمزي.
قوة الدفع الذاتي او الحركة، كما يقول اهل قيادة السيارات (على التيترون)، لا تكفي لادارة اي مؤسسة، حتى لو كانت صغيرة او شخصية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة