سيدة عجوز، تعطيها وفق تقدير سن أولي ما بين 70-80 عاما. ظهرها مقوس؛ تجلس في منتصف الرصيف امام سوبر ماركت كبير في احدى ضواحي عمان، بحيث يمكنها مشاهدة الخارجين والداخلين، لتمد يدها تطلب المساعدة. لكن عيونها ونظراتها تعطيك انطباعا بأنها تمارس هذا الفعل بذكاء وخبرة! وربما يذهب بك الخيال الى ان تعتقد ان الجلسة العاجزة، وانحناءة الظهر، جزء من أسرار المهنة.
واذا كان لديك وقت في عصر او مساء رمضان، ونظرت على بعد أمتار، فستجد رجلا يشبه كثيرا تلك السيدة العجوز، ويخيل إليك انه ابنها او اخوها؛ شاب على ابواب الاربعين، صحته جيدة جدا، يجلس على كرسي بلاستيكي. وهذا امر طبيعي، فسيدة عجوز بمواصفاتها الظاهرة لا يمكنها ان تخرج من بيتها، ولا يمكنها ان تعرف هذه المناطق من عمان، او الانتقال واختيار هذا المكان، إذ يفترض انها في بيت متواضع، لا تعرف هذه الاسواق او المحلات التجارية التي عليها حركة من الناس.
الاشقاء في مصر لهم تجربة عميقة مع التسول، وقد جسدوا جزءا منها في المسلسلات والافلام، فهذا عالم لا يقل في تعقيده وتنظيمه عن عالم عصابات المخدرات او النشل والسرقة: هرم تنظيمي، وتعليمات، وانضباط، وسلم رواتب، وحوافز، وسكن وظيفي! وفي المحصلة، هو عالم من الثراء لقادته او كبار المساعدين.
وفي الاردن، كما يقول الخبراء في وزارة التنمية، هنالك شبكات تسول لا تحركها الحاجة، بل المهنة والاحتراف. وهنالك اساليب متطورة في تغيير الشكل واستعمال الكراسي المتحركة والمكياج، وغيرها من الاحتياجات التي تريد اقناع المواطن بان من يمد يده يستحق الصدقة. وهنالك عمل طوال السنة، لكن مواسم العطاء، مثل رمضان المبارك، تفرض على هذه المجموعات الدخول في حالة طوارئ واستنفار لقطف ثمار الموسم. وتتعدد الوسائل، وتتحرك العقول لكل الابتكارات، بما فيها القصص المختلقة عن المرض والعجز، و"تنفيش" الشعر، وانحناءات الظهور، وغيرها من الاساليب الكفيلة بزيادة "الغلة".
الخطورة ليست في العمل الفردي في التسول، بل في ان تكون العملية منظمة وناتجة عن فكر وتنظيم ومجموعات لها برامج وقيادات واهداف، والاخطر اذا ما اصبح التسول مصدرا من مصادر الثراء والعيش الرغيد.
وزارة التنمية الاجتماعية تنظم حملات منظمة للقضاء على التسول ومكافحة الظاهرة، وفي كل عام هناك حملات، ما يعني ان الظاهرة مازالت موجودة. لكن من يستطيع ان يقول ان كانت الحملات تصيب التسول المنظم وتضعف بنيته، أو انها تستهدف الحالات الفردية المنتشرة على الإشارات الضوئية وبعض الاماكن؟ لهذا، قد نكون بحاجة الى قياس موضوعي لمشكلة التسول، وحدودها وامتدادها.
التسول الذي نتحدث عنه لا علاقة له بالفقر، لان الفقراء لا يلجؤون الى هذا، والعائلات التي تعاني من الحاجة في المدن والقرى والبوادي لا تحترف التسول، بل ان بعضها يعاني من الخجل والحياء اذا ذهب الى لجنة زكاة او جمعية خيرية. وفي المقابل، وكما يعلم اهل الخبرة في صندوق المعونة ووزارة التنمية الاجتماعية، فان تغييرات في ثقافة وسلوكات بعض الفئات في المجتمع هي باتجاه كسر الحواجز، بحيث أصبح مألوفا ان تدخل سيدة وتطلب عونا ومعونة وزوجها في الخارج. وعندما تطلب الصدقة، تقوم باستخدام ما أمكنها من وسائل لإقناع صاحب القرار في الجهة المعنية بأنها تستحق.
انها منظومة واحدة، قد يكون للحاجة دور في ايجادها، لكن ما هو اهم من الفقر سلوكات وبيئات واستعدادات لدفع الثمن مقابل زيادة الايرادات، سواء أكان الثمن دموعا وهمية او ابتسامات مضللة. وقد عزز من هذا العدد الكبير من الجهات المانحة رسمية وشعبية، فأصبحت لدينا اشكال من التسول لا علاقة لها بالفقر والفقراء، واصحاب الحاجات، والمستحقين للعون.
وفي بقية المشهد الرمضاني اشخاص يقدمون انفسهم من جمعيات خيرية او لجان أيتام لم يسمع بها احد، يدخلون المحلات ويتحدثون بسرعة. بعضهم لا يعطيك الانطباع بأنه يمثل جهة او هيئة، فلا دفاتر وصولات بل حقيبة صغيرة يفتحها للمتبرع، واحيانا تكون المجموعة من شخصين او ثلاثة. ربما يكون منهم اشخاص صادقون، لكن ما هو غير مألوف الكثافة في الانتشار في الاسواق، وطريقة جمع التبرعات.
رمضان، هذا الشهر الكريم، اصبح موسما لدى بعضهم لممارسة بعض الظواهر السلبية، واستغلال ميل الناس للعمل الصالح. والمشكلة ليست في المحتاج، بل في الباحثين عن الثراء، الذين يتعاملون بجشع مع هذه الايام المباركة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة