مساء الخميس الماضي، كان جلالة الملك على مأدبة افطار في بيت احد ابناء محافظة الكرك، عبدالمجيد الذنيبات المراقب العام السابق للإخوان المسلمين. وعلى مدى ساعات اللقاء، كان بعض ابناء الكرك، من رجالات القضاء والسياسة والطب والإدارة والإعلام، ومتقاعدين من مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، يتحدثون الى الملك ومعه في كثير من القضايا، التي تبدأ بتطوير وسائل الدعم الاردني للأشقاء في فلسطين الذين يعانون ضيقاً وحصاراً وعنتاً نتيجة الاحتلال والحصار. وبكل اهتمام، سأل الملك المختصين عما يمكن تقديمه، فكانت الاقتراحات التي بدأت بضرورة توفير اجهزة غسيل كلى لأبناء غزة، إذ تخلو المدينة من هذه الاجهزة. وهكذا استمر الحديث الى كل المجالات.
وأكثر من مرة، اشار الملك الى اننا نريد ان نقدم عوناً لا يحمل اي تفسير سياسي، ولا يعني اي انحياز في صراع الساحة الفلسطينية، وان ما يعنينا هم الناس. وبقي سؤال لم يجد اجابة، لأن اجابته فلسطينية، وهو يتعلق بالمشاريع التنموية التي يمكن ان يتم جلب تمويل دولي او عربي لها في الاراضي الفلسطينية، بما يعزز استقلال السلطة، ويفك الارتباط المتشابك مع الجانب الاسرائيلي في قضايا اساسية.
وحين يجلس الملك مع بعض ابناء الكرك، ومن بعد ذلك مع ابناء المحافظات والبوادي، في ليالٍ رمضانية خالية من البروتوكولات وربطات العنق، فإن هذا شكل من اشكال التواصل الذي يتيح لصاحب القرار الاستماع الى كل شيء. فالأمر ليس خطابات وكلمات مطبوعة، وباب الحديث مفتوح لمن اراد، فالكرة في ملعب المتحدثين، والملك يأتي ليستمع الى الآراء والاقتراحات والمشكلات ونبض الناس، ومن تتاح له الفرصة فليقل ما يحب.
والتواصل لم يعد شكلاً واحداً ونمطاً فريداً، فالجولات على المحافظات، والتقارير المكتوبة، وقراءة ومتابعة وسائل الاعلام، واللقاءات الفردية والمحدودة، كل هذه وسائل هدفها ان يصل صوت الناس الى قائدهم، وأن ترتب اولويات مسار الدولة. فالمشكلة احياناً ان اصحاب الصوت المسموع لدى اصحاب القرار يتحدثون بلغة المجاملة والمديح؛ والبعض يطلب اللقاء شهوراً ثم يستغله لطلب بعثة دراسية لابنه او نمرة سيارة وغيرها من المصالح.
واللقاء في بيت القيادي الإخواني يحمل نوعاً من التقدير، ليس لشخص عبدالمجيد الذنيبات فحسب، بل لمنهجية العمل والتفكير والخط الذي يمثله الذنيبات داخل الحركة الاسلامية. والدولة التي يستهل ملكها لقاءاته مع ابناء المحافظات في بيت رمز اخواني، قاد الجماعة لأكثر من 12 عاماً الى ما قبل شهور، ليست من حملة الاجتثاث والعداء للفكر والتيار الاسلامي الوطني الذي يحمل الاعتدال، ويفهم معنى الانتماء للأردن والأمة، والعمل في ظل الدستور والقانون. لكن هذا التقدير السياسي لا يلغي ان اللقاءات هذه هي ذات بعد اجتماعي تواصلي.
ولم يختلف ابناء الكرك على الالتماس الذي تحدث به "المعزب" الى جلالة الملك، بإصدار عفو خاص عن النائبين المحكومين، وبعض معتقلي الحركة الاسلامية. وكما قال الذنيبات، فإن الغاية السياسية قد تحققت مما جرى، وأن هذا الشهر المبارك مناسبة كريمة لاستمرار مسيرة العفو والتسامح الاردني. فالكرك التي تقف موقف صلباً في الدفاع عن امن الدولة واستقرارها، وحماية دستورها وقانونها، لا تتردد في ان يلتمس بعض ابنائها عفواً لا يمس بالدولة، بل يعزز حالة الود الداخلي.
تنمية المحافظات وإنصافها، وإنشاء بنية تحتية فيها تحفز المستثمر المحلي والعربي والاجنبي على القدوم اليها، كان ايضاً محل نقاش وتداول. وكما ذكر رئيس الوزراء، فإن ما اشار اليه المتحدثون عن ضرورة خدمة المحافظات، ووقف هجرة ابنائها منها الى العاصمة، هذا الحديث كان جوهر توجيهات الملك للحكومة قبل ايام، وهناك افكار تعزز البنية التحتية للاستثمار، سواء في الزرقاء او المفرق والبادية ومحافظات اخرى.
قضايا اردنية عديدة كانت خلال اللقاء، لم تأخذ طابعاً جهويا بل اردنياً. واشار البعض الى قضايا تتداولها مجالس الاردنيين تتعلق بالفساد ومكافحته، ومصداقية اي حديث عن هذه المكافحة، كما بيع الاراضي وتجارتها وقضايا اخرى. لكن جوهر القضية اننا لسنا امام مناسبات "برستيج" لاصحاب البيوت او المدعوين الى لقاء الملك، بل هي مجالس رمضانية اردنية يريدها الملك ليستمع ويحاور، في اجواء ليس فيها منصات خطابة، ويحتاجها الناس ليقولوا همومهم وقضاياهم واراءهم في الملفات الكبرى، وما يجب ان تفعله الحكومات؛ يقولونه عبر الحاضرين.
التواصل لا يعني حل مشكلاتنا بعصى سحرية، لكن غيابه او فقدانه لجوهره يضيف الى مشكلاتنا مشكلة اخرى من العيار الثقيل. وكما هو الملك حريص على ان يتواصل مع الناس، فإن على الجميع ان يمتلكوا ذات الحرص؛ حكومات ونواب واحزاب ونقابات واعلام، فالجزر المعزولة ليست من سمات المجتمعات القوية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة