مواقف واضحة وصادقة عبرت عنها الشخصيات والفاعليات المسيحية في الاردن خلال أزمة تصريحات بابا الفاتيكان، المسيئة للإسلام وللرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. وهي مواقف خالية من التكلف والافتعال، وفيها من الصدق ما يؤكد على نتاج تاريخ ايجابي من التعايش القائم على وحدة الهوية العربية والوطنية الاردنية، والذي ينظر الى الاسلام باعتباره هوية حضارية للمسلم والمسيحي على حد سواء.
وبقدر سلبية تصريحات البابا، فان مواقف المسيحيين العرب، وفي مقدمتهم مسيحيو الاردن، كانت جانبا ايجابيا. فالاعتصامات التي شهدتها بعض المواقع، ومنها النقابات المهنية، تصدّرتها شخصيات وفاعليات مسيحية اردنية، لم تدافع عن الاسلام فقط، بل وايضا عن المسيحية والمسيحيين في مواجهة اي محاولة لجرهم الى معارك السياسة الدولية، او تسييس المسيحية في الغرب لاجندة قوى ومصالح، او على الاقل تحويلها الى أداة للحرب على العرب والمسلمين واستفزازهم.
المسيحيون العرب والاردنيون هم اصل المسيحية، فسيدنا المسيح، عليه الصلاة والسلام، وأمّه السيدة البتول مريم العذراء، عليها السلام، هم من اهل المنطقة العربية، وانطلاق الدين المسيحي كان من بلاد الشام. لهذا، فالمسيحيون العرب هم الاحرص على ان يحافظ هذا الدين على جوهره، وعلى مقاومة كل المحاولات التي تجري في الغرب لصهينة المسيحية وتحويلها الى جزء من اللوبي الصهيوني.
ولعل كثيرين لمسوا الحرارة والصدق اللذين كان المسيحيون الاردنيون يعبرون بهما عن رفضهم للإساءة الى الاسلام، والتي يرونها ايضا اساءة للعروبة ولهم. وكانت حرارة الموقف وصدقه رسالة للفاتيكان ايضا، بان عليه وعلى غيره ان يضع في حساباته ثقل المسيحية العربية، وضرورة مراعاة هويتها العربية، وانتماءها الحضاري للاسلام، وروابطها العضوية مع المسلمين، وان المسيحية العربية ليست اكسسوارات لاي عملية تسييس للمسيحية، او استغلال لمؤسساتها الدينية.
واضافة الى الموقف الواضح للمسيحيين الاردنيين، فقد كان مما سمعته من بعضهم رغبة بان لا يذهب بعض المسلمين في ردة فعله الى حد يتجاوز اساءة البابا الى الاساءة للمسيحية، فأزعج بعضهم تصريحات انتقلت من حيز رفض الاساءة الى الهجوم على المسيحية. وزاد الامور صعوبة ان هذا البعض ممن يحسبون مرجعيات دينية اسلامية في العالم العربي.
ويضاف الى هذا استهجان شاركهم فيه المسلمون لبعض الممارسات التي استهدفت كنائس مسيحية في بعض المناطق العربية؛ إذ قالت إحدى السيدات المسيحيات الاردنيات: "نحن نرفض مثل المسلمين اساءة البابا، لكن ماذا نفعل؟ هل نهاجم كنائسنا؟ او نقبل ان يهاجمنا البعض في بعض المدن العربية؟".
الأزمة الاخيرة اكدت المسار الايجابي الذي لا تفسده بعض الثغرات في بعض الساحات العربية؛ فالمسيحيون العرب جزء من امتهم العربية الاسلامية، وما يصيبهم يصيب الآخرين. والاسلام ليس دين المسلمين بل دين الامة، والمسيحية جزء من تاريخ الامة، ودين فئات من ابنائها. ومحصلة الحضارة في عهد المسيحية والاسلام هي حضارة للعرب جميعا. وكما قال المسيحيون العرب بأن الاساءة للاسلام تصيبهم بشكل مباشر، فإن الاساءة للمسيحية او محاولة استغلالها سياسيا هي استهداف للمسلمين.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة