لن نتحدث بالسياسة وزوايا الملف الفلسطيني، والحرب الباردة بين فتح وحماس منذ تسعة اشهر، فالقضية اصبحت معروفة، والخلاف حول البرنامج السياسي هو الجوهر، وتحته ايضا خلاف على النفوذ والسلطة، رغم انها سلطة منزوعة الدسم والسيادة والقرار! والحكومة الفلسطينية، سواء حكمتها حماس ام فتح، لا تستطيع الاجتماع الا عبر الفيديو. ورئيس الوزراء، مثلما حدث مع اسماعيل هنية، لا يستطيع مغادرة غزة الا بإذن الاحتلال، ولهذا لم يقم هنية بزيارة الضفة وهو يحكمها نظريا.
لكن ما يحدث في شوارع غزة من قتال امس، وما حدث قبل اسابيع، وسقوط القتلى والجرحى، امر لا يمكن تفسيره او تبريره. فأمس، قضت غزة يوما رمضانيا مخزيا لحماس وفتح ومنظمة التحرير على حد سواء، واكتشف العالم ان في غزة "مقاتلين اشداء" لدى السلطة وفتح والحكومة وحماس، وأن غزة التي تشكو الحصار والجوع لا تعاني هذا على صعيد الاسلحة الحديثة، والعتاد، واللباس الاسود الذي يرتديه المقاتلون! فالجوع ونقص المال لم يصل الى هذه الجهات، ولهذا هي تطلق النار بكثافة، وبقدرة على اسقاط القتلى والجرحى من الشعب الفلسطيني! وقدرات المقاتلين من الجميع كبيرة، بحيث يمكنهم القتل والقتال والاعتقال وحرق السيارات وهم صيام، يتقربون الى الله في الشهر الفضيل بإطلاق النار على بعضهم بعضا، وبإهدار الدم الفلسطيني. لكن من المؤكد ان من يقتل ليس مجاهدا، ومن يموت ليس شهيدا، لأنه يحمل سلاحا مثل القاتل بوجه اخيه.
اي عبث وهدر لقدسية القضية الفلسطينية يتم ولا عذر لأحد، لأن التنافس هو على السلطة والحكم. فمن يريد التفاوض لا مبرر له لأن يحمل السلاح بوجه فلسطيني آخر، ومن يرفض التفاوض ليس من حقه ان يفعل ذات الامر. والمفارقة المضحكة ان الجميع توقفوا عن المقاومة واطلاق النار على العدو الصهيوني! كلهم اوقفوا المقاومة، اما حماية للتفاوض، او استجابة للهدنة ولحماية حكومة حماس. ولهذا، يتراكض آلاف المقاتلين من الموالين للسلطة او للحكومة في شوارع غزة، مظهرين قدراتهم التدريبية وقوة اسلحتهم، ليس باتجاه اسرائيل، بل نحو الدم الفلسطيني!
الجميع يقول ان الدم الفلسطيني محرم وخط احمر، لكنها مقولة سقطت، لأن الدم الفلسطيني تم هدره واستباحته اكثر من مرة، ومنها امس. والعشرات من الجرحى والقتلى ليسوا مستوطنين او من جيش الاحتلال، بل من اهل غزة الذين سقطوا في رمضان.
في رمضان، يتحدث الخطباء عن غزوة بدر، وفتح مكة، إذ الجهاد في رمضان، لكن يبدو ان مقاتلي غزة الاشداء قرروا التدرب على "الجهاد!" في رمضان، عبر الدم الفلسطيني، واشعال الشوارع بالنار والبنادق الحديثة! والغريب ان الحكومة والسلطة تشكوان الفقر، لكنهما تجدان مالا وفيرا للأسلحة والعتاد وتجنيد المقاتلين، ايا كانت لافتاتهم! انه نظام عربي لا يختلف عن اي نظام بوليسي، فالسلطة لها شرطة، والحكومة لها شرطة، وهم يقتلون بعضهم بعضا. لا تنقصهم المعدات والاسلحة واجهزة اللاسلكي، بل نسمع في الفضائيات امس اصوات التكبير من بعضهم وهم يطلقون النار على الدم الفلسطيني.
مضحك ما يجري؛ فمن يريد التفاوض لا يفاوض، ومن يدعي حفاظه على المقاومة لا يقاوم، وبنادقه وجهها الى الداخل بحجة الحفاظ على هيبة الحكومة والقانون! والحقيقة التي لا يمكن اخفاؤها ان ما يجري ليس اكثر من صراع على النفوذ وتمسك بالكراسي، ولا قيمة لكل مزاعم السلطة ولا حكومة حماس. فمن يريد المقاومة فإسرائيل موجودة، اما من يوقف العمليات منذ عامين تقريبا، بحجة الحفاظ على الحكومة، فهو لا يريد مقاومة. ومن يريد التفاوض، ويرى طريقه عبر اسقاط الحكومة، إنما لديه بعثرة في الاولويات.
مسكين ايها الشعب الفلسطيني في غزة، فالعدو يقصف، والمجاهدون من الحكومة والسلطة يقتتلون، والدم في الحالتين فلسطيني، والفرحة صهيونية!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة