المؤيدون أو المعارضون لخط حماس السياسي ومواقفها يحملون لها احتراما وتقديرا كحركة مقاومة تعمل على الأرض الفلسطينية، وقدمت خلال مسيرتها الرموز والشهداء والمعتقلين والجرحى، وأعادت الاعتبار لبعض ركائز الصراع العربي الصهيوني التي غابت نتيجة العملية السياسية والاتفاقات والسياسة الإسرائيلية.
وهذه الفئات تقدر لحماس حقها في ممارسة العمل السياسي، ويدرك الجميع ايضا أن العمل السياسي له ضريبة واستحقاقات، وان الضغوط والحصار اللذين تعرضت لهما الحكومة الفلسطينية كانا بسبب مواقفها ومن أجل إدخالها في العملية التفاوضية. ويعلم الجميع ايضا أن هذه الضغوط بكل اشكالها تحدث نوعا من الارتباك في أداء الحركة، وتجعلها تتبنى بعض المواقف التي ترى فيها نوعا من المناورة والتخفيف من الضغوط، لكن هذا لا يعني ان تكون هذه المواقف غير مبررة.
واذا دخلنا في جوهر القضية فإن ما هو مطلوب من حماس يتلخص في ان تعترف بإسرائيل، تقبل التفاوض معها، تتخلى عن العمل العسكري الذي يسميه الاحتلال عنفا وإرهابا، والاستجابة التي تطلبها إسرائيل واميركا وأوروبا واضحة. فهم لا يقبلون انصاف التنازلات، ولا يعطون هامشا للمناورة او للتكتيك. فحماس أمام خيارين اما التمسك بمواقفها والحفاظ على ثوابتها التي ميزتها عن القوى الاخرى، او الذهاب الى مطالب الأطراف الدولية العربية والفلسطينية الرسمية، وليس هناك أي خيار آخر. اما محاولات ممارسة الذكاء عبر بعض الافكار السياسية فإنها تجعل من مواقف الحركة محل تساؤلات وفي الوقت نفسه لا تجد قبولا لدى الاحتلال وواشنطن والمجموعة الاوروبية.
ومن هذه المناورات التي تدفع الحركة لها ثمنا مجانيا ولا تجد قبولا:
1- إعلان رئيس الوزراء اسماعيل هنية عند تشكيل الحكومة وتأكيده ذلك مؤخرا ان حماس تقبل ان يمارس وزراء حكومتها لقاءات وتنسيقا مع الوزراء الإسرائيليين في قضايا الخدمات والأمور الحياتية. وهذا الموقف رفضته اسرائيل لأنها قاطعت حكومة حماس، وموافقة حماس عليه خطوة مجانية باتجاه اظهار المرونة وتخفيف الضغوطات، لكنها ضاعت في الهواء، وتم تسجيلها على الحركة. فالتفاوض واللقاءات غير السياسية بين وزراء حماس والاسرائيليين اقل ما توصف به انها تطبيع من الذي نرفضه ونشكل له لجانا لمقاومته، ولا يقلل من هذا الامر انه لم يحدث بسبب رفض حكومة الاحتلال.
2- ان حماس أعلنت قبل سنوات، ثم أعادت القول قبل ايام، انها ترفض الاعتراف بإسرائيل لكنها تعرض هدنة مع اسرائيل لمدة عشر سنوات مقابل اقامة دولة فلسطينية علي حدود عام 1967، وفكرة الهدنة طرحتها حماس على لسان الشيخ احمد ياسين رحمه الله ود. موسى ابو مرزوق في النصف الاول من التسعينات ورفضتها اسرائيل. وقبل ايام أعادت حماس طرحها ورفضتها اسرائيل ايضا, ومع التقدير للنوايا التي تهدف الى اعطاء صورة ايجابية عن الحركة او تخفيف الضغط، الا ان على حماس ان تدرك ان ما تطرحه من مبادرات يحمل تناقضا مع جوهر مواقفها. فالهدنة ستتم مع اسرائيل وتحتاج الى تفاوض سياسي اي ان الحركة ستفاوض اسرائيل، والهدنة عشر سنوات تعني تعطيل المقاومة، وتعني عملا سياسيا فيه تواصل دائم مع اسرائيل. اي ان حماس تقبل بكل هذا، بغض النظر عن الثمن، سواء أكان دولة او سلطة او حكما ذاتيا، هذا اذا افترضنا ان اسرائيل التي حصلت من منظمة التحرير على الكثير مقابل سلطة بلا سيادة، ستمنح حماس دولة مستقلة كاملة السيادة على أراضي عام 1967 مقابل هدنة!
3- ومن مبادرات حماس عندما كان الحديث ساخنا عن حكومة وحدة وطنية، الإعلان ان الحكومة لن تفاوض لكنها ستفوض منظمة التحرير بالتفاوض مع اسرائيل، وهو موقف شكلي، فالحكومة عندما تفوض أحدا بشيء فإنها تكون موافقة على الفعل عمليا حتى لو رفضته نظريا. فعندما يفوض أحدنا أحدا بشراء بيت له يكون موافقا على الشراء, وحتى وثيقة الاسرى فإنها تضمنت حديثا مفهوما عن التفاوض حتى وان كانت الألفاظ تحمل نوعا من الضبابية.
نتحدث هنا عن الاداء ولا نشكك في النويا او الصدق. وما هو مطلوب من حماس ان تدرك ان المجتمع الدولي واميركا واسرائيل، وحتى اوساط فلسطينية وعربية، لن تتعامل مع حكومة الا اذا اعترفت بإسرائيل وقبلت بالتفاوض وتخلت عن فكرة المقاومة، وان القوى الدولية واسرائيل تتعامل بجشع، لهذا فلا ضرورة لكل المبادرات والمناورات المجانية.
ما يميز حماس انها حركة مقاومة، ولم يذهب الفلسطينيون لانتخابها الا احتراما لدم احمد ياسين والرنتيسي وصلاح شحادة، وحجزت مكانا لأنها فعلت شيئا حافظ على فكرة المقاومة، فإن أرادت ان تحفظ ميزتها فليس لها الا ثوابتها حتى وان فقدت الحكومة واغلبية البرلمان, فالمشكلة ليست في ممارسة العمل السياسي بل في شروطه واستحقاقاته.
طريقان واضحان؛ اما التمسك بالثوابت ورفض التفاوض ورفض الاعتراف بإسرائيل وإما الاستجابة لإملاءات الدول الكبرى وكيان الاحتلال, ولا ضرورة لأي مناورات مجانية ولا طائل منها. فالتوازن والاتزان مطلوب، لان الرافضين لخط حماس لن يقبلوا بنصف حماس او ربعها، فإما ان تخلع ثوبها كاملا والا سيبقى الأمر كما هو.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة