كل الندوات والملتقيات التي تحدثت عن الاصلاح كانت تعطي للقضاء مساحة تليق به. ومن الاصلاحات المطلوبة سرعة التقاضي، وانهاء القناعة الشعبية بان "حبال المحاكم طويلة"، وازالة التجربة التي ترسخت بان ذهاب القضايا الى المحاكم يعني تأجيل الحصول علي الحق سنوات وسنوات، وان التسويات، حتى وان كانت ظالمة، افضل من سنوات وسنوات من التقاضي بكل مستوياته.
بين يدي ملف واوراق من عائلة اردنية قضيتها ليست معقدة، لا يطالب اصحابها بالتعويض عن بلاد الاندلس، او ادانة مرحلة من التاريخ، او شراء الاهرامات، بل هي حادثة سير وصفتها بعض الصحف في حينها بانها "اكبر حادث سير جماعي في تاريخ الاردن". لكن مهما كان الحادث مروعا، وضحاياه كثر، فانه يظل حادث سير؛ اجراءاته ومساراته معروفة، بخاصة واننا في الاردن نعاني من الحوادث كل يوم، وكل ساعة.
الحادث وقع بتاريخ 27/6/1994، اي قبل اكثر من 12 عاما، بين حافلتين للركاب على طريق عمان-اربد، وكان عدد الضحايا كثيرا، واغلبهم من طلبة وطالبات جامعة اليرموك، من بينهم فتاة اردنية من عائلة الدبابنة كانت في الفصل الاخير من دراستها. وليت الامر توقف عند هذا، فالمسلسل لم يتوقف، ونحن نفقد كل اسبوع رجالا ونساء واطفالا وشبابا نتيجة حوادث السير، فضلا عما تخلفه من عجز واعاقات واثار اجتماعية.
مطلب اهالي الضحايا، ومنهم عائلة الفقيدة خلود الدبابنة، سهل وبسيط، وهو ان يتم البت في القضايا، واصدار احكام قطعية بما يتناسب مع حقوقهم القانونية من الاطراف الاخرى.
والحديث ليس اقترابا من استقلالية القضاء، وما له من سلطة في اصدار الاحكام، بل هو دعوة إلى ان تصل الحقوق الى اهلها في زمن معقول. فرغم دخول القضية عامها الثالث عشر، مازالت حتى الان تذهب من مستوى الى آخر من مستويات القضاء. صحيح ان احترام عمليات التقاضي ضروري، لكن هل من المعقول ان تبقى قضية حقوقية ناتجة عن حادث سير كل هذه السنوات؟
اهالي الفقيدة، وكل اهالي الضحايا، لهم من الناحية المبدئية حقوق واضحة؛ فهم قد فقدوا ابناءهم، اي ليسوا اطرافا في مشاجرة او خصومات في سوق الاسهم او الشركات، وقد يكون مفهوما ان تأخذ مثل هذه القضايا الأخيرة كل هذه السنوات!
والد خلود يبلغ الان 85 عاما، ويوم بدأت القضية كان عمره 72 عاما؛ فهل عليه ان يعيش عشرات قادمة من السنين حتى يرى بعض حقه قد وصله، رغم قناعته ان خسارته الكبرى هي ابنته التي لا تعوضها اي حقوق او تعويضات!
شهادة ميلاد
ربيع هشام طفل ولد في لبنان اثناء الاجتياح الصهيوني العام 1982، وفقده والده الذي عاد الى عمان، وكان على قناعة بانه قد فقد ابنه الرضيع تحت القصف، لكن قدر الله تعالى ان هذا الطفل مايزال حيا، ويعيش في بيروت، وعمره الان 24 عاما!
والد الشاب اراد ان يضمه اليه ليعيش معه في عمان؛ فتقدم بطلب الى وزارة الداخلية بعد ان قام بزيارة ابنه في بيروت، ثم قام بالحصول على الموافقات الامنية المطلوبة من الجهات المعنية، لكن المشكلة بقيت في الحصول على شهادة ميلاد من لبنان، علما ان لدى والدته شهادة القابلة القانونية، وشهادة زواجها بأبيه. وهنالك قضية رفعها الابن لدى القضاء اللبناني للحصول على شهادة ميلاد، لكن ظروف العدوان الاخير والتداعيات الاخرى تعيق الامر!
الوالد في وضع صحي ومعيشي سيئ، وهو مستعد لاستكمال ما حصل عليه من موافقات بأي فحص طبي مخبري لانهاء حالة افتراقه عن ابنه، وغربة ابنه عن عائلته. لهذا، فإن هشام نعمان ينتظر مساعدة تحقق له امنيته، وان لا يبقى الامر معلقا بانتظار اجراءات قد تطول للحصول على شهادة ميلاد لبنانية.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية