اصبح الاردنيون على موعد غير رسمي في كل عام مع نشرة اخبار الثامنة من احد ايام رمضان، ليسمعوا خبراً فيه نوع من الفرج والعون والتضامن من جلالة الملك مع الناس، من موظفين وعسكريين، عاملين ومتقاعدين. ومساء الاربعاء، كانت المكرمة الملكية بصرف 100 دينار لقطاعات العاملين والمتقاعدين في اجهزة الدولة حديث المجالس، وشعر الاردني ان بعض الحمل والعبء الذي على ظهره قد زال؛ فالمكرمة تأتي في موسم رمضان والعيد، وهي شعور من رأس الدولة وقائدها بحاجة الناس وهمومهم.
وليس مصادفة ان يختار الملك افراد القوات المسلحة ولقاءه الرمضاني معهم ليعلن تضامنه مع اعباء الناس، فالجيش هو التمثيل الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الاردني، والجنود هم عصب الدولة، والاهم انهم يمثلون حالة الانتماء والولاء غير المرتبط بامتيازات واثمان، فهم الطبقة الفقيرة، وفي الحد الاقصى المتوسطة، لكنهم الأكثر بذلاً، ويمارسون الدور الاهم في مسار الدولة.
وحين نتحدث عن المكرمة الملكية وصرف 100 دينار، فإن بعضنا قد لا يرى المبلغ كبيرا، ولكن بالنسبة للعائلات ذات الرواتب المحدودة، وتحديداً موظفي الدولة ومتقاعديها، فإن المبلغ هو نصف الراتب، وهو قادر على احداث عون حقيقي.
نعم، لقد فرح الاردنيون الذين شملتهم مكرمة الملك، ولدى آخرين امل بأن تشملهم، كما تشمل متقاعدي الضمان الاجتماعي الذين يجدون انفسهم في ذات الحاجة، وان من واجب المؤسسة التي "تصوم" عن الزيادات للمتقاعدين الاقتداء بالمبادرة الملكية. كما وينطبق هذا على موظفي القطاع الخاص، وبخاصة موظفي الشركات القادرة؛ فمبادرة الملك رسالة الى كل صاحب قرار في القطاع الخاص ان يخفف الاعباء عن كادره، فالدولة قد لا تستطيع تقديم مثل هذا المبلغ لكل فرد.
المكرمة الملكية، كما وصفها الملك، هدية للاردنيين من الجهازين العسكري والمدني. ولعل القضية الاساسية لا تقاس في اطار سياسي او قوالب جامدة، لكن سيدة اردنية اصيلة لخصت ردة الفعل الصادقة بقولها "كويسات؛ الله يكثر خيره". وهي لم تقل هذا امام كاميرا او لغايات تقدير اعلامي، وانما كانت تجلس على باب بيتها المستأجر، تدعو الله للملك بالتوفيق.  وهذه السيدة وامثالها الكثر لم يرين الملك، وقد تنقضي سنوات العمر ولا يحدث اللقاء، لكنها علاقة خالية من النفاق، لان الناس تمتلك القناعة التي لا تشبه ما يكتبه بعضهم على مكاتبهم "القناعة كنز لا يفنى"، فقناعة هؤلاء تعني الرضا وطلب الستر من الله.
السياسة ليست فقط التعريف الاكاديمي "فن الممكن"، لكنها ايضاً صناعة الفرح. فالاب يدخل طفله الى عالم من الفرح والسعادة اذا قدم له قطعة شوكولاته،  وصناعة الفرح ليست مرتبطة بالقيمة المادية، بل بالتوقيت والصدق. وعندما لا تستطيع الدولة ان ترفع راتب الموظف الى الضعف، لضعف امكانات، فإنها مطالبة بصناعة الفرح، وادخال البهجة إلى قلوب الناس، وبخاصة اذا كان المواطن قنوعاً مقدراً لظروف بلاده، لكنه يطلب التضامن والمشاركة في المعاناة، وان يحس المسؤول بفقره وهمومه.
لهذا، فعندما يقف الملك بين العسكر، فإنهم يعلمون انه لا يحمل معه شاحنات من الدنانير، لكنه يتحدث لهم عن ظروفهم ومعاناتهم وقسوة الحياة، ويقدم لهم ما تستطيع الدولة ان تقدمه. وليس سراً ان الملك يحاول ما امكنه تأمين المبلغ الذي يقدمه هدية لشعبه، وانه يتمنى ان تكون الهدية الف دينار للموظف او العسكري، لكن هذا ما كان، والاهم ان مثل هذه الامور تصنع الفرح. ومن ثم، فإننا ندعو حكوماتنا وكل صاحب مسؤولية إلى إتقان صناعة الفرح لمن حوله، فهذا علم وفن، يحتاجان الى الصدق والشعور الحقيقي بهموم الناس.
فرق كبير بين ان تكون الظروف الصعبة للناس عبئا على صاحب القرار وان تكون همه واولويته، فقد تزور صديقا لتهنئته، لكن الزيارة عبء على نفسك. لهذا، فصدق المسؤول ان تكون راحة الناس راحته، وكل لحظة فرج يصنعها مصدر فرح له.
اصبح لقاء الملك مع الجنود والعسكر مصدر تفاؤل للاردنيين، لا لان هذه اللقاءات تحمل مكارم ملكية، بل لانها تمثل احساس صاحب القرار بكل الناس، عبر احساسه بالظروف الاقتصادية للمؤسسة الاردنية الاهم، ليس لانها تحمل السلاح بل لانها تحمل الولاء والانتماء الفطري، وهم ملح الأرض الذين لا حياة من دونهم؛ هم ابناء القرى والبوادي الذي يعرفون معنى المعاناة، لكنهم الأكثر فهما لأمن الدولة واستقرارها، فالاوطان ليست مجالس تذمر، او رقما وطنيا!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة