مرة اخرى نقدم التقدير للحكومة على خطواتها الإيجابية لتحويل فكرة محاربة الفساد من شعار وإنشاء، في بيانات الحكومات، الى وقائع ملموسة. والملف الذي تم تحويله قبل يومين الى القضاء للتحقيق فيه، وعلى رأسه وزير اسبق، مؤشر على هذا التوجه.
الحكومة والاعلام لا يمكنهما اتهام احد الا عبر الوثائق والأدلة، والكلمة الأولى والاخيرة للقضاء. لكن القضاء يحتاج الى اجواء وإرادة سياسية تأتي اليه بالملفات محل الشبهة؛ فالهدف ليس الاساءة لأحد، لكن المال العام، الذي هو ملك للدولة، يتعرض للانتهاك. وما كان يطالب الناس به ومازالوا هو ان تتوقف حالة استهلاك الشعارات والانشاء، وأن تكون محاربة الفساد امرا عمليا، وأن تصل يد القانون الى كل الفاسدين، وليس الاستقواء على "صغار الكسبة" من الفاسدين بينما الكبار يفعلون ما يريدون، بل ويمارس بعضهم التنظير والخطابة على الاردنيين فيما يخص مصلحة الوطن والانتماء!
وإحدى مشكلات المواطنين مع الحكومات ان التقشف وضريبة الاصلاح الاقتصادي، من ثبات رواتب وارتفاع اسعار وإزالة الدعم عن المنتجات الاساسية، كان يصيب عامة الناس، بينما الفساد ينتج لكباره تضخما في ارصدتهم. ولهذا، مرت قضايا كانت محصلة اصحابها تصل الى 17 مليون دينار، بينما كانت حكومات تزيد راتب الموظف 3 دنانير، وترى انها مسرفة وتبعثر المال العام! واذا ما استمرت الحكومة في نهجها بإحالة ما لديها من ملفات فساد مزعوم الى القضاء، فإن الخدمة الكبرى التي تقدمها للدولة انها ستعزز الثقة بين المواطن والدولة، وستجسر جزءا من الفجوة التي لا تجسر "بالحكي"، بل بالفعل الصادق.
اربعة ملفات احالتها الحكومة حتى الآن الى القضاء، واذا كانت ستستمر في فتح كل الملفات، فإننا نتمنى للحكومة طول العمر، وستجد كل الدعم والتأييد، حتى مع بقاء الملاحظات على جوانب اخرى من ادائها، لأن قضية مكافحة الفساد ليست مسألة ادارية، بل هي جزء من مسار تحتاجه الدولة لتماسكها، وتعزيز مصداقية الخطاب الرسمي، وتوثيق اواصر العلاقة مع الناس.
الغاية ليست تغيير طواقم الحكومات او رؤسائها، فبرغم كل التغييرات لم نصل الى حلول حقيقة لبعض المعادلات في بنية الدولة، إنما المهم هو اقناع الناس ان الحكومات راغبة وقادرة، وليست مراوغة في عدة مسارات، وأهمها مكافحة الفساد. وعلى الحكومة ان لا تشعر انها "ختمت العلم"؛ فرغم خطواتها الايجابية، الا ان اشاعة اجواء الامان على القرار والمال العام تحتاج الى ان تتحول القرارات الى نهج، اي ان لا تتغير بتغير الحكومات والاشخاص، وان لا يرتبط بمرحلة دون اخرى.
الملف الذي احالته الحكومة أول من امس الى القضاء كان ثمة حديث بشأنه في اوساط رسمية منذ عدة سنوات، لكن ما كان يحتاجه هو قرار سياسي. ومن اعطاه الله عمرا من القريبين من الملف شهدوا ما يحدث، وكانوا على قناعة ان مثل هذه الملفات تبقى في الادراج ولا تخرج منها، وربما في رقبة كثير منهم اعتذار لمهندس من الوزارة المعنية كان يحمل المعلومات عن تجاوزات مزعومة، ونشر بعضا مما كان لديه في صحف اسبوعية قبل سنوات. ومن المؤكد أن اي موظف يصل الى قناعة بالجدية والحماية سيكون عينا صادقة للقضاء، وحارسا على المال العام.
تحول الخطوات الى منهجية مستمرة كفيلة ببعث الخوف لدى كل فاسد، ومصدر ردع لمن يفكر بممارسة الفساد بكل اشكاله. وقبل هذا وبعده، تصل بالمواطن إلى ان يأمن على مقدرات الدولة، وان لا يشعر ان عليه تحمل الاعباء، فيما على بعض المتنفذين والكبار بناء الفلل والارصدة والشركات من خلال اعمال غير مشروعة، سواء من مال الدولة او من استحقاقات قلم التوقيع.
مع كل ملف فساد مزعوم سنبقى نوجه الشكر للحكومة، ومع الشكر تأكيد على ان نصل الى مرحلة المسار المتكامل. وكما قال الرئيس اكثر من مرة، فإن لدى الحكومة توجيهات بأن لا تتغاضى عن اي فساد، أيا كان المتهمون به. ورغم كل الملاحظات على الحكومة، فإن الرئيس مازال يحتفظ بانطباع انه ليس من اهل التجارة والمصالح والشركات، واذا ما قدمت حكومته المزيد من الامان للناس فإنها ستحقق انجازا حقيقيا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة